ليس في الناس من عصم من الزلل إلا من عصمه الله تعالى، وما دامت النفس في جسدٍ والهوى في قلبٍ والشيطان على الطريق، فسنظلُّ نحتاج إلى من يُذكّرنا أنَّ التدين لا يعني الحصانة من الخطأ، ولا العصمة من الذنب، بل يعني أن تكون يقظًا في لحظة الغفلة، وسريعَ التوبة عند الزلة، غير منطفئٍ وإن أعتمْتَ قليلًا.

  ومَن تأمل في واقع العاملين في ميادين الدعوة والتربية والإصلاح، وجد أن لهم ذنوبًا خاصة، قد لا تكون من الكبائر الجلية، ولكن أثرها في القلب أعظم من معصية عابرٍ في الشارع، لأنهم يعرفون، ويعلّمون، ويُقتدى بهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2]. ولعلّ من أنفع ما نواجه به أنفسنا أن نتحدث عنها بصدق، كما كان السلف يفتّشون في قلوبهم قبل أعمالهم.

   سنحاول في هذا المقال أن نستعرض خمسة ذنوبٍ يكثر وقوعها في أوساط المتدينين والدعاة والمصلحين، من خلال استقراء الواقع، واستلهام المواقف النبوية في علاجها.

1.     فتور الصلاة، وفقدان روحها:

أول ما يُصاب به القلب حين تضعف حرارة الإيمان هو البرود في عمود الدين. فلا يزال بعض الملتزمين يعتذرون عن صلاة الجماعة بانشغالٍ، أو تعبٍ، أو مراجعةٍ تربويةٍ، أو جلسةٍ دعويةٍ! ويغيب عنّا أن النبي ﷺ، في مرض موته، كان يُغشى عليه ثم يفيق فيسأل: "أصلّى الناس؟"، فيأمر أن يُحمل إلى المسجد يُهادى بين رجلين، حتى سقط رداؤه من ضعفه، ليصلي بالناس.

  ذلك المشهد يختصر المعيار: الصلاة في جماعة ليست عادة، بل مؤشر حرارة القلب الإيمانية حين يفقدها العامل في الحقل الدعوي، يفقد معها توازنه الداخلي، فيتحول عمله من عبادةٍ إلى وظيفةٍ، يفقد معها محطات التنقية من الشوائب، والوقود الذي يدفعه للمزيد من العطاء والحركة.

   ومن صور ذلك: التأخر عن التكبيرة الأولى، ترك السنن الرواتب، البرود في انتظار الأذان، التثاقل في الذهاب للمسجد، ثم تسلل الفتور إلى القلب دون أن يشعر صاحبه فلا تراه إلا يقضي الركعة والركعتين، وتفوته صلوات الجماعة، ولا يجد الخشوع سبيلًا إلى قلبه، ولا يلتذُّ بما يقرأ، ولا بما يسمعه من الإمام، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنّ، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهنّ من سنن الهدى."

2.    برود النوافل وانطفاء لذّة الخلوة:

فئامٌ من العاملين في الميادين الدعوية والتربوية يُنهكهم الانشغال بالناس حتى يُفرّطوا في خلواتهم مع الله تعالى، فتغيب عنهم نوافل الصلاة، وقيام الليل، وصيام التطوع، وقراءة القرآن التي تُنعش القلب، وقد كان النبي ﷺ، رغم انشغاله بقيادة أمة، يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، وحين سألته عائشة: "أتفعل هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟" قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» متفق عليه).

   التدين الحقيقي لا يُقاس بجدول الأنشطة الدعوية، بل بالمقدار الذي يبقى بينك وبين الله تعالى حين تُغلق الأبواب، وبمقدار نشاطك في حركتك معه سبحانه لا حركتك مع البرامج والفعاليات، والمؤلم أن كثيرًا من المربين والدعاة يفقدون حرارة العبادة الفردية باسم الانشغال بالعبادة الجماعية، فيتآكل رصيدهم الروحي دون وعي.

  من صور ذلك: ترك الوتر، والانقطاع عن تلاوة القرآن الكريم، ونسيان الدعاء بعد الصلوات، هجر الصيام التطوعي، وقلة المحاسبة آخر اليوم. والعلاج: أن تجعل لنفسك خلوة ثابتة، لا ينازعها أحدٌ، ولو عشر دقائق قبل الفجرِ، تُراجع فيها روحك قبل خطابك.

3.     الاستسهال في أعراض الناس باسم الغيرة أو النقد:

من أخطر الذنوب التي يتساهل بها بعض الملتزمين: الغيبة واللمز تحت عباءة الغيرة على الدين أو النقد البنّاء.
   تُقال الكلمات في المجالس التربوية أو عبر وسائل التواصل عن فلان وعلان، وتُختتم بعبارة: “نسأل الله له الهداية”، وكأنها تمحو ما قبلها! وفي السيرة النبوية دروس عميقة في حفظ اللسان حتى عن المنافقين. فقد كان النبي ﷺ يعلم بعض المنافقين بأعيانهم، ومع ذلك لم يُبح لأحدٍ بذكر أسمائهم، حتى لا يُفتح باب الشر في الأمة. قال ﷺ: "بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم". رواه مسلم)

   ومن صور هذا الذنب:

  • نقد العاملين الآخرين بأسلوب التجريح.
  • نشر العيوب الخاصة تحت غطاء “النصيحة”.
  • الغمز واللمز عبر وسائل التواصل.

وهذا الذنب أخطر ما يكون حين يصدر ممن يُقتدى بهم، لأنهم يُربّون غيرهم على الغيبة دون أن يشعروا.

4.     التساهل في النظر وضعف الغضّ:

من المؤلم أن كثيرًا من الشباب الملتزمين والدعاة يقع في فتنة النظر، لا عن قصدٍ بالضرورة، بل بالتدرج، ثم بالاعتياد. يبدأ الأمر بتصفح عابر، أو متابعة “محتوى مفيد” في بيئةٍ مختلطة، ثم يتحول إلى تعلقٍ بصورٍ أو أشخاصٍ أو علاقاتٍ رقميةٍ تخدش صفاء القلب. وفي السيرة مثال باهر حين قال ﷺ لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة» (رواه أبو داود).

   ومن صور هذا الذنب: متابعة الصفحات الدعوية المختلطة بضعف الرقابة، الانزلاق في الإعجاب الصامت، النظر المتكرر لغير المحارم في المحافل العامة، والتساهل في الحوار بين الجنسين بحجة الدعوة أو التوجيه.

  وليس المطلوب الانعزال، ولكن الوعي بأن النظر سهمٌ مسموم يطفئ النور الداخلي، وقد قال ابن القيم: "من أطلق بصره دامت حسرته."

5.     العُجب الخفي واستصغار الذنوب:

   هذا الذنب هو الجامع لكل ما قبله، حين يرى الملتزم نفسه فوق الموعظة. تسري في قلبه قناعةٌ خفية أنه أفضل من غيره، وأن زلته أخفُّ من زلات العامة، وأن الله تعالى يعلم نيّته الصالحة! فيتراكم هذا الشعور حتى يُغلق عنه باب التوبة والإنابة. وقد كان النبي ﷺ، وهو سيد المتقين، يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، وكان يقول: :والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" رواه البخاري، فإن كان هذا حال رسول الله ﷺ، فكيف بنا نحن؟
   العُجب يجعل الطاعة ثقيلة، والنصيحة مؤذية، والتوبة بعيدة. ومن مظاهره: كثرة مقارنة النفس بالآخرين، النظر إلى الذنوب الصغيرة كشيء لا يُذكر، والاعتقاد أن “عملي الدعوي يغفر تقصيري الفردي”.

قال ابن المبارك: “رب عملٍ صغيرٍ تعظّمه النية، ورب عملٍ كبيرٍ تصغّره النية.”

 

ختامًا: ليس الهدف من الحديث عن ذنوب المتدينين جلد الذات أو التشهير بفئةٍ تحمل الخير، ولكن تذكير النفوس بأن صلاح الأمة يبدأ بصلاح من يحمل رايتها. ولئن كانت زلات العامة تخدش ظاهر المجتمع، فإن زلات المصلحين تخدش روحه وتلك والله أعظم خسارةً وأشد فداحةً إذ معها يفقد المصلح والمربي والداعية جذوة الزاد التي بها يسير إلى الله تعالى، ويعبِّد الناس معه في هذا الطريق.

  في السيرة النبوية ما يطمئن القلب: أن الطريق إلى الله تعالى ليس طريق المعصومين، بل طريق التائبين، ولقد كان الصحابة يخطئون ويتوبون، يضعفون ويعودون، لكنهم لا يستسلمون للفتور ولا يتزينون بواجهةٍ خاليةٍ من الروح. فلنراجع أنفسنا، ولنجعل من ذنوبنا سلّمًا نتطهر به، لا قيدًا يجرّنا إلى الوراء، ولنُكثر من دعاء النبي ﷺ: اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها (رواه مسلم).

  وما أجمل أن نختم كما بدأنا: ليس الخطأ أن تزلّ، بل أن تتعايش مع الزلة حتى تفقد الإحساس بثقلها.
فالتدين الحق ليس في سلامة المظهر، بل في حياة القلب بعد الذنب، وسرعة الرجوع إلى الله بعد العثرة.

وقانا الله تلك العثرات، وغفر لنا الزلات.

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة