هدى عبد الرحمن النمر

مدخل:

لماذا نشعر أحيانًا أن الالتزام عبء ثقيل، رغم أن هذا الدين يُوصَف باليُسر؟

ولماذا يتردّد على الألسنة وصفُ بعض التكاليف بأنها “شاقّة”، مع أن نصوص الوحيين عامرة بألفاظ اليُسر والتيسير؟

مثل هذه الأسئلة التي تتردد في نفوس كثير من المسلمين لا تنشأ من فراغ، ولا تدلّ بالضرورة على ضعف إيمان، بل تتصل بطبيعة الإنسان نفسه، وبكيفية فهمه للتكليف، وبالطريقة التي تلقّى بها الدين وتربّى عليه.

والحقيقة أن هذا الدين دينُ يُسرٍ ورحمة، ودينُ عبادةٍ وتكليف، ودينُ اختبارٍ وتزكية، كلها معًا.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى فهمٍ أدقّ لمعنى اليسر، ولموضع المشقّة، وللحدّ الفاصل بين ما هو من طبيعة الامتحان، وما هو من سوء الفهم أو الخلل في التربية.

هذا الفصل يقارب هذا السؤال من ثلاث زوايا متداخلة:

» لماذا يبدو التكليف ثقيلاً؟

» وأين يخطئ الفهم الشائع لمعنى اليسر؟

» ثم ما الميزان الذي يضبط علاقتنا بالتكليف دون إفراط ولا تفريط؟

إنّ هذا الدين يُسر:

من أوصاف هذا الدين الجوهرية: اليُسر ورفع الحرج، وهما سمةٌ ظاهرة في أصوله وفروعه، وفي عقائده وشرائعه، وفي تكاليفه وأحكامه؛ إذ لم يكلِّف الله عباده ما لا يطيقون، ولم يجعل عليهم في الدين عنتًا ولا مشقةً خارجةً عن المعتاد، بل شرع لهم ما تتحقق به مصالحهم في الدنيا والآخرة مع القدرة والوسع.

وقد جاءت نصوص الوحيين بتقرير هذا المعنى صريحًا، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥]، وقال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: ٦]، وقال جل وعلا: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى: ٨]. وقال سبحانه أيضًا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦].

وفي السنة النبوية شواهد كثيرة تؤكد هذا الأصل؛ فعن السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما خُيِّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرَهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه)[١]. ولما بَعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا وأبا موسى رضي الله عنهما للدعوة قال لهما: (يسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا)[٢]، فجمع بين التيسير وحسن الخطاب، لأن التشديد المنفِّر مخالف لهدي الشريعة ومقاصدها.

ومن تأمل أبواب الشريعة وجد صور التيسير فيها ظاهرة؛ فالمريض يُرخَّص له في الفطر والصلاة على حسب استطاعته، والمسافر يُشرع له القصر والجمع، والعاجز عن استعمال الماء يتيمم، ومن عجز عن القيام صلى قاعدًا، وكل ذلك شاهد على أن التكاليف الشرعية مرتبطة بالاستطاعة، وأن مقصدها التعبد لله لا تعذيب النفوس.

فاليسر في الشريعة يتمثل في:

١. عدم تكليف العباد ما لا يطيقون من العبادات والتكاليف مما هو خارج عن المعتاد من المشقة والتعب.

٢. تيسير كيفية القيام بالتكاليف الشرعية، كرُخَص الصلاة والصيام، وأداء العبادات حال المرض والعجز.

٣. جعل الأصل في الأشياء الإباحة لا التحريم والمنع، مما يمكّن الإنسان من الانطلاق في العالم بحثًا واستفادة واستخدامًا، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: ١٣].

٤. عدم المؤاخذة بالخطأ والنسيان وما أكره عليه الإنسان، لحديث: (إن الله وضع عن أمتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكرِهوا عليه)[٣].

٥. رفع التكاليف الشاقة والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، قال تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: ١٥٧].

٦. النهي عن الغلو في الدين فهمًا وتطبيقًا، قال صلى الله عليه وسلم: (هلكَ المُتَنَطِّعون)[٤].

وتفاصيل ذلك في كتب الفقه.

لماذا يبدو التكليف ثقيلاً؟

وإذن، لماذا يستشعر كثير من المسلمين مشقة عند محاولة الالتزام الديني والقيام بالتكاليف؟

لفهم مصدر هذا الشعور لا بد من تفكيك مصادره المتعددة، إذ لا يرجع إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة عوامل متداخلة.

١- البعد الإنساني: مجاهدة الهوى

كثير من التكاليف الشرعية ترتبط ارتباطًا مباشرًا ببذل الجهد الفيزيائي والمعنوي؛ فالصلاة تتطلّب انضباطًا متكررًا في أوقاتها وهيئاتها، والصيام يدرّب النفس على كبح شهوات البطن والفرج، والحج مشقّته معروفة. وكذلك الحال في بعض المحرّمات الكبرى، كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا، فهي تتعلّق بضبط رغبات تنشأ من الجسد وتعود إليه[٥]. لماذا؟ لأن الجسد ليس مجرد كتلة صمّاء، بل هو موضع الرغبات والمخاوف الإنسانية، ووسيلة الإنسان إلى إدراك نفسه والعالم من حوله.

وهنا يتجلّى الرابط العميق بين المقصد الشرعي للتكليف وطبيعة الخِلقة الإنسانية: فكل تكليف يمسّ الجسد لا يقتصر امتحانه عليه، بل يشمل امتحانه الكيان الإنساني كله، فِكرًا وشعورًا. فمتى استقام الفكر واستقر الشعور خضع البدن واستجاب بالسلوك. ومن ثمّ كان الامتحان في هذه التكاليف عميقًا، يكشف عن معدن الإنسان ومدى استعداده لتعبيد نفسه، أي تربيتها على الخضوع والامتثال.

وبالتالي فالمشقة المصاحبة للتكليف أو الثقل الـمُستَشعر في تربية النفس على الامتثال ليسا خَللاً ولا عبئًا زائدًا، بل خاصية مقصودة تُودِع في التكليف معناه التعبدي والاختباري، ويترتب عليها استحقاق من بعد؛ ولولاها ما حصل المقصود من الامتحان[٦]. بل لو جاء التكليف موافقًا لأهواء النفوس وضمن نطاق راحتها لانتفى معنى الامتحان من أصله، ولصار الدين مجرد امتداد لرغبات الهوى. ومن التشبيهات البليغة لموقف الفطرة بين الحق والهوى ما ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى: “ومثل الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس، وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس، والاعتقادات الباطلة العارضة من تهوُّدٍ وتنَصُّرٍ وتمَجُّسٍ مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس. وكذلك أيضًا كل ذي حس سليم يحب الحلو، إلا أن يعرض في الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرًّا”[٧].

فالثقل هنا هو الحدّ الفاصل بين الهوى الذي نريده نحن، والهدى الذي يُراد منا، وهو شرط أساسي للتربية التي تُثمر النضج والتهذيب، وتُثاب بفضل الله تعالى بعدها الثواب الأعظم. فالمسألة أشبه بوزن ثقيل يرفعه متدرّب لا ليُرهقه، بل لينمّي به قوّته، أو بطريقٍ صاعدٍ يُرهق السائر في البداية، لا لأنه طريق خاطئ، بل لأنه يخالف راحته، وذلك حتى يقوده إلى أفقٍ أعلى لا يُنال بموافقتها.

٢- البعد التربوي: طريقة تلقّي الدين

وهنا يأتي البعد الثاني للشعور بثقل التكليف، كثير من الناس لم يتلقَّ الدين في سياقه التربوي الكامل، بل في صورة قائمة من الأوامر والنواهي المجردة: صلِّ، صم، لا تفعل كذا، لا تفعل كذا. بينما الخطاب القرآني والنبوي جاء مختلفًا تمامًا؛ إذ يخاطب الإنسان كلَّه: عقله بالبيان، وقلبه بالموعظة، ونفسه بالترغيب والترهيب. وعندما تُنزَع الأحكام من هذا السياق التربوي، وتُقدَّم في صورة أوامر صمّاء، يشعر المتلقي بثقل مضاعف ليس سببه كلفة التكليف نفسها، بل طريقة عرضه.

ولذلك كانت التربية النبوية تقوم على التدرّج وبناء المعنى قبل التكليف؛ فجيل الصحابة تلقّى الإيمان أولاً، ثم نزلت الأحكام تباعًا. ويوجز الصحابي جندب بن عبد الله رضي الله عنه ذلك المنهج التربوي في قوله: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حَزاوِرَةٌ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا”[٨].

ومن هذا البيان يتّضح أن الخلط لا يبدأ في وصف الدين باليسر، بل في الكيفية التي يُفهَم بها هذا اليسر، وما يُعاد تحميله به من معانٍ لم يدلّ عليها الشرع، بل وقد تجعله مناقضًا لمعنى التكليف. والحق أن دين الإسلام يقوم على منظومة متكاملة من العقيدة والأحكام وتزكية النفس، تتوجه إلى إصلاح الباطن، وضبط الأهواء، وتهذيب الفكر والمشاعر والسلوك معًا؛ وبذا يتحقق الهدف وهو بناء صلة حقيقية وحَيّة بين العبد وربه. وهذا بخلاف تصوّرات دينية أخرى قد تبدو “أسهل”، إذ تكتفي بطقوس ظاهرية محدودة، ثم تترك الإنسان بعد ذلك لأهوائه.

٣- البعد الاجتماعي والثقافي:

لا ينشأ الإنسان في فراغ؛ بل في بيئة اجتماعية وثقافية تؤثر في تصوره للدين. فعندما تسود ثقافة تمجّد اللذة الفورية والحرية المطلقة للجسد، يصبح أي قيد أخلاقي أو عبادي ثقيلاً في نظر الإنسان. ومن هنا يمكن فهم كيف تحوّلت فكرة “حرية الجسد” إلى شعار مركزي في كثير من الفلسفات الحديثة؛ لأن التحكم في الجسد يعني في الحقيقة التحكم في منافذ الرغبة والمعنى. أما الشريعة فتنظر إلى الجسد بوصفه أمانة، لا مجرد أداة للمتعة.

وهنا يجدر التنبيه كذلك على تذبذب التوازن في الخطابات التربوية والدعوية، بما يؤثر في كيفية تصور التكليف واستقباله، فالواقع يشهد أن بعض النفور من الدين يرتبط بطريقة تقديمه في صورة جافّة، تُغَلِّب المنع والتخويف، وتختزل الدين في دائرة المحظورات، هذا الأسلوب لا يراعي طبيعة النفس الإنسانية وتقلّب أطوارها؛ فينتهي إلى إقصائها بدل احتوائها، ويدفعها إلى البحث عن الخلاص من الدين، لا البحث عن الخلاص به.

وفي المقابل، فإن التسيّب وتمييع الدين بدعوى التيسير لا يقل إشكالاً، وهو كذلك من أسباب التنفير بطريقة أخرى، حين يُفهم التيسير على أنه إسقاط للتكاليف أو مجاراة للأهواء، بدل أن يكون مراعاة متزنة للإنسان كما قررتها الشريعة نفسها، فالتيسير الشرعي مبدأ أصيل منضبط في بِنْيَة الشريعة نفسها، التي فتحت أبواب العزائم وكذلك الرُّخَص بميزان دقيق، دون حاجة إلى إعادة تأويل أو تغيير حقائق. وليس التيسير تفريغًا للدين من ثِقَله، ولا إعادة صياغة لأحكامه وفق الأذواق المتغيّرة.

ولو شاء الله تعالى أن يكون خطابه للناس مقتصرًا على هذا الجانب أو ذاك لكان، لكنه سبحانه خلق الإنسان على فطرة مخصوصة، وأنزل له من الخطاب ما يستوعب هذه الفطرة في كل أحوالها، وهو سبحانه الأعلم بمن وما خلق: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: ١٤]، وبهذا يكون الدين منهاجًا متكاملاً تنتظم به حياة الإنسان، وتطمئن روحه، لا عِبئًا يرهقه، ولا أغلالاً تحاصره.

مكامن الخلل في فهم اليسر والمشقة:

عندما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ)[٩]، لم يكن يقصد باليسر انتفاء المشقة بالكليّة، ولا الراحة الفورية التي تَعِد بها بعض الخطابات المعاصرة التي تُغَلِّب مبدأ الإنجاز السريع. وإنما يعني اليسرُ في التصور الشرعي أن المشقة موجودة في أصل الامتثال، لكنها ضمن حدود القدرة التي أودعها الله في المكَلَّف، ثم أعانه عليها ووفّقه لحملها، كما في الحديث: (وإنه ليسير على من يسره الله عليه)[١٠]. ويتجلّى هذا التيسير الإلهي في بِنْيَة الشريعة نفسها، كالرُّخص، وفي لطف الله وتوفيقه، وفي الجمع بين التحذير من العقاب ليكون حاجزًا، والترغيب في الثواب ليكون دافعًا.

وعندما وصف الله تعالى القرآن بأنه “قول ثقيل”، فقال: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: ٥]، لم يكن ذلك مجرد تصوير بلاغي، بل بيانًا لطبيعة التكليف الإلهي نفسه؛ فهو ثقيل لأن أمانته ثقيلة، وثواب طاعته وعقاب مخالفته كذلك ثقيلان، أي عظيما الشأن. ولهذا كان التكليف من الكُلْفَة، أي المشقة؛ لأن المقصود منها اختبار العبد في مدى خضوعه لأمر الله، ومجاهدته لنفسه في سبيل ذلك. ثم إن هذه الكلفة مَقدورٌ عليها، إذ تقابلها طاقة ووسع محسوبان بدقة، وكلاهما من عند الله تعالى، الذي لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، ولا يكلّفها إلا بما آتاها.

وشرح الشاطبي في كتابه “الموافقات” أن مقصد الشريعة من التكليف إخراج المكلَّف عن داعية الهوى حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد له اضطرارًا، ولذلك قرر أن التكاليف كلها راجعة إلى حفظ مصالح العباد[١١]. ولا ريب أن أعظم مصالح العباد أن يستقيموا على أمر ربهم ويتحققوا بالعبودية في مدّة العمر الممنوحة لهم، فيُختَم لهم على خير ويُخلَّدون في نعيم. ولو تُركوا لموافقة أهوائهم فلن يذوقوا من نعيم الدنيا إلا ما كُتب لهم، ثم يُردّون مردًّا مُخزيًا والعياذ بالله، فأين المصلحة في ذلك؟

وليس وجودُ أصلِ المشقة في التكاليف أمرًا مستنكَرًا؛ فإن الحياةَ البشريةَ كلَّها قائمةٌ على قدرٍ من المعاناة وبذل الجهد، فلا يكاد يخلو أمرٌ من أمور الدنيا من مشقة، فالنكاح وتحمل مسؤولية الأسرة، وتحصيل الأموال وتنمية الثروات، وطلب العلوم والمعارف، وتربية الأولاد ورعايتهم؛ كلُّها أمور لا تُنال إلا ببذل وصبر ومكابدة. وإذا كانت مصالح الدنيا لا تُدرك إلا بتحمل شيء من المشقة، فمصالح الآخرة أولى بذلك، غير أن الشريعة جاءت بالمشقة المعتادة المقدور عليها، لا بالمشقة الخارجة عن حدِّ الطاقة والوسع.

بهذا يتضح أن يسر الشريعة لا يعني رفع كل كُلفة ومشقة؛ فإن أصل التكليف قائم على بذل الجهد ومجاهدة النفس، وإنما يعني أن المشقة الواقعة في التكاليف هي مشقة يقدر عليها المكلَّف بشيء من بذل الجهد والمصابرة، ليُمتحَن بذلك ويُهَذَّب، فالمشقة اليسيرة أو المعتادة جزء من معنى التكليف نفسه، أما المشقة الخارجة عن الطاقة فهي التي رفعها الشرع.

مفاهيم خاطئة في تعريف اليسر:

ويقع الخطأ الشائع عندما يُعاد تعريف اليسر على أنه:

» تأجيل الالتزام حتى تتوفر الرغبة النفسية أو الاستعداد الداخلي، دون مؤاخذة أو حساب.

» أو اعتبار ضعف الدافع عذرًا شرعيًا.

» أو تحويل الاستثناءات (الرخص) إلى قاعدة عامة.

بينما التيسير الذي جاءت به الشريعة هو إعانة على الامتثال، لا ترخيص في التفريط؛ فمن عجز عن الصلاة قائمًا صلّى قاعدًا، فإن عجز فمُستلقيًا، فإن عجز فبالإيماء.. وهكذا يُراعَى وُسع كل مكلَّف بحسب حاله، متى بلغ سنّ التكليف الشرعي.

ولا تَسقُط المؤاخذة على التفريط لعدم القناعة الداخلية، أو ضعف الدافع، أو غَلَبة الهوى، أو مختلف الاعتبارات التي يضعها الناس من عند أنفسهم. فالعذر المعتبر هو العذر الشرعي، والله تعالى أعلم بالسرائر، لذلك يبقى الإنسان في هذا الباب محتاجًا إلى صدق مع نفسه، واستحضار لمراقبة الله تعالى.

ولو جُعل التكليف خاليًا من أدنى كلفة ومجاهدة، لفاتت حِكمٌ عظيمة تتعلق بتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق وبناء الإنسان الصالح؛ فإن النفوس إنما تقوى بالصبر والممارسة وتحمل المسؤولية، لا بالراحة الدائمة والدَّعَة المستمرة. ومن هنا كانت التكاليف الشرعية سببًا في ترسيخ معاني الانضباط والصبر ومخالفة الهوى وتعظيم أمر الله، وهي آثار تنعكس على الفرد والمجتمع دينيًا ونفسيًا وتربويًا؛ إذ تُنشّئ شخصيةً واعية تأخذ حياتها ومقاصد هذا الوجود بجدّية.

ولهذا فإن تربية الأبناء على الانضباط الذاتي وتحمل المسؤولية -وإن صاحبها شيء من المشقة- أرجى في صلاحهم وقوة شخصياتهم من تربيتهم على الكسل وإجابة كل رغباتهم؛ فإن الانضباط الذاتي يُنمِّي في الإنسان القدرةَ على ضبط رغباته وتأجيل شهواته والالتزام بما يجب عليه ولو خالف هواه أو احتاج إلى صبر ومجاهدة، وبذلك تتكون الإرادة القوية والشخصية المتزنة القادرة على القيام بالواجبات ومواجهة أعباء الحياة. أما الإفراط في التخفيف وإجابة جميع الرغبات فيورث العجز والاتكالية وضعف الإرادة، وكذلك شأن النفوس إذا أُعفيت من كل تكليف ومجاهدة.

كيف نحقق التوازن بين التيسير والمشقة؟

إذا تبيّن معنى اليسر، واتضحت حقيقة التكليف، وانكشف موضع الخلل في فهمهما، بقي السؤال: من أين يبدأ تحقيق الاتزان؟

والجواب أن الإقرار بثقل التكليف هو الخطوة الأولى لفهمه وتحمّل تبعاته؛ ولذلك جاء التعبير القرآني بالسّمع قبل الطاعة: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: ٢٨٥]، فالطاعة تبدأ بتقبّل حقيقة التكليف كما هو، دون تحريف ولا مساومة، ثم مجاهدة النفس على الامتثال، أما إنكار حقيقة التكليف فلا يؤدّي إلا إلى التهرّب، أو التحريف بإعادة تشكيله ليوافق الرغبة والهوى.

ثم يمكن تلخيص الميزان الصحيح في عدة ضوابط:

١- التفريق بين المشقة الملازمة للتكليف، والمشقة السياقية، والمشقة الخارجة عن طوق الإنسان:

فالمشقة الملازمة طبيعية في كل عبادة، أما المشقة السياقية فهي زائدة غير معتادة في سياقات مخصوصة -مثل الصوم للمسافر أو المريض- فهي التي ترفعها الشريعة بالرخص، وأما المشقة الخارجة عن طوق الإنسان فلا تأتي بها الشريعة أصلاً.

٢- التفريق بين الرخصة الشرعية والتفريط غير المشروع:

الرخصة مرتبطة بعذر معتبر شرعًا ومقدّرة بقدر شرعي في موطنها، أما التفريط في تكليف بدون ضوابط وبدعوى عدم الرغبة أو ضعف الدافع أو غير ذلك من حجج بين المرء ونفسه فتترتب عليه مؤاخذة شرعية.

٣- اليسر وصف للشريعة، لا لتجربة الفرد الشعورية:

فقد يشعر الإنسان بثقل بسبب حالته النفسية أو بيئته أو غَلَبة الهوى عليه أو غير ذلك من عوامل شخصية، لكن ذلك لا يغيّر طبيعة الشريعة نفسها.

٤- المجاهدة جزء من طريق الإيمان:

فالتكليف يربّي النفس ويهذّبها، لا لأنه يريد إرهاقها، بل لأنه يخرجها من سلطان الهوى إلى انضباط الحق.

ولا خلاف في أن تربية النفس على الاستقامة صعبة؛ ولهذا تَرتَّب الأجر، غير أن الصعوبة لا تغيّر الحقائق ولا تبرّر خلطها أو تمييع حدودها:

يبقى الواجبُ واجبًا وإن قصّرنا فيه، والحرامُ حرامًا وإن وقعنا فيه، والصوابُ صوابًا ولو جهلناه، والخطأُ خطأً ولو اعتدناه.

هذا الإقرار بالحقائق يحفظ للإنسان اتجاهه الصحيح مهما كثرت زَلّاته، بخلاف من يُنكر الحقائق أو يبدّلها، فيُضيّع الطريق من أساسه، فالمقصّر يُرجى له العفو برحمة الله، وأمّا الخلط المتعمَّد أو القول على الله بغير علم فقد جاء التحذير منه في النصوص، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: ١١٦].

ويبقى باب الله تعالى مفتوحًا لكل عبد ما امتدت به حياته، والنجاة معلّقة دائمًا برحمته تعالى، كما أخبرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام: (لن ينجي أحدًا منكم عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا، وقاربوا… والقصدَ القصدَ تبلغوا)[١٢]. فليس من الدين التقاعس وترك العمل، بل المطلوب العمل مع ترك اليأس والقنوط، والتعويل دائمًا وأبدًا على رحمة الله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: ٥٦].

[١] متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٥٦٠) ومسلم (٢٣٢٧).

[٢] متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٠٣٨) ومسلم (١٧٣٣).

[٣] أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥).

[٤] أخرجه مسلم (٢٦٧٠).

[٥] الرّبا متصل بالمال مباشرة، لكنه يؤثر بالتبع على البدن، لأن المال وسيلة رئيسية لتحصيل رغائب البدن.

[٦] ينظر: الموافقات (٢/٢١٤).

[٧] مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/٢٤٧).

[٨] أخرجه ابن ماجه (٦١)، حزاورة: غلمان أشداء.

[٩] أخرجه البخاري (٣٩).

[١٠] أخرجه الترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣).

[١١] ينظر: الموافقات (٢/١٧).

[١٢] أخرجه البخاري (٦٤٦٣).

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة