لدي مجموعة من طلبة القرآن الكريم، وتبدو على خمسة منهم -في منتصف سن المراهقة- دلائل النبوغ والحافظة القوية ومبادئ التعلم الجيد، لذلك أجد في نفسي رغبة في تحميلهم بعض المسؤوليات وتصديرهم في بعض الأنشطة الدعوية كالخطابة أو إلقاء بعض الدروس لمن هم في سنهم

المشكلة:

لدي مجموعة من طلبة القرآن الكريم، وتبدو على خمسة منهم -في منتصف سن المراهقة- دلائل النبوغ والحافظة القوية ومبادئ التعلم الجيد، لذلك أجد في نفسي رغبة في تحميلهم بعض المسؤوليات وتصديرهم في بعض الأنشطة الدعوية كالخطابة أو إلقاء بعض الدروس لمن هم في سنهم أو أصغر، لكنني في الوقت ذاته أخشى أن أصدِّرهم قبل الأوان، فيؤثر ذلك فيهم تأثيرًا سلبيًا، ويتسبب في نمو بعض الأمراض القلبية لديهم كالعجب أو استصغار الآخرين.

فهل تكليفهم بمثل هذه الأعمال في هذا الوقت صحيح تربويًا؟! وكيف يمكنني أن أوازن بين ذلك، بحيث أعودهم على العمل الدعوي وفي الوقت ذاته أجنبهم مثل هذه الأمراض؟!

الجواب:

الحمد لله الذي أنزل الكتاب وبعث للناس رسلاً تعلمهم الكتاب والحكمةَ ليزكّوهم ويغيروا ما بأنفسهم فيكونون بذلك أهلاً لخلافة الله في أرضه.

هنيئًا لك -أيها المربي- أن جمع الله بين يديك براعم تتمتع بطاقات وذكاءات لاحظتَها وعزمت على تنميتها واستثمارها، وهنيئًا لهم بك، فكما قيل: لولا المربّي ما عرفتُ ربي.

التربية عند المسلمين مهمة عظيمة؛ فهي مهنة الأنبياء، هي فنّ من فنون إعمار الأرض؛ بها تُصنَعُ النفوس وتهيّأ لخوض غمار الحياة باقتدار، وحتى تؤتي أكلها يلزم الأمةَ مربٍّ حاذق حكيم، فكلما كان المربي إمامًا مقدامًا وقائدًا فذًّا كان على صناعة الجيل الفريد أقدر؛ وهو الذي يستطيع بدوره أن يتوسّم في طلاب العلم خيريّتهم، وهو القادر -بعون الله- على أن يتوقّع لهم شكل عطاءاتهم ومستوى إنجازاتهم وصبغة إبداعاتم، فهو الذي يجتهد في سبر نفسيّاتهم على علم وبصيرة، يتحسس أحوالهم؛ سعيًا إلى استكشاف طاقاتهم ليستثمرها وينمّيها بوسائل شتى تقليدية وعصرية.

براعمنا اليوم هم رجال المستقبل وقادة الأمّة، وكلما وعى المربي هذا الفهم، وأدرك ضرورته، كلما بذل وجدّ واجتهد، وهو -بتعبه هذا- سعيد ومستمتع، كيف لا وهو يعلم أنه يرضى ربّه ويخدم أمته!!

عليك -أخي السائل- أن تصطفي كلّ من بزّ أقرانه في أمرٍ من الأمور الجليلة، فمنهم من يسوّق نفسه دون عناء من المربي، ومنهم من يحتاج معلمًا حريصًا فطنًا يستكشف طاقاتهم التي قد يجهلها الطالب نفسه، وعلى المربي أن يصوّب نظرتَه لأمور الحياة  المختلفة، فيصنّف ذكاءاتهم وأنماط شخصياتهم، واحتياجاتهم؛ بناءً على علم ومعرفة يستزيد منها كل حين، ثم يبني بهم بنيانًا مرصوصًا، مستعينًا بطاقات مُربين آخرين يحملون معه الهم ويشاركونه الهمة، ولديهم غراسهم الخاصة، فيتكاملون في عطائهم، ويتفاعلون كمجتمع صغير ونموذج طيب يرسم لهم، ومعهم ذكريات الطفولة والصبا بريشة فنان.

ابدأ مع كلّ منهم رحلة العلم والعمل، لا تؤخر الانطلاق، لكن تروَّ في خطواتك، ولتكن على بصيرة، لا تتردد في اتخاذ قرارات بنّاءة، استحضر أنهم خليط من القدرات الذهنية والحركية، اعقد عليهم أحلامًا عظيمة، أخبرهم بها، شجعهم إليها وإلى غيرها من عظائم الأمور، ثق أنها ستكون حقائق الغد القريب بعون الله، أحسن الظنّ بغرسك، وأشعرهم بثقتك فيهم واحترامك لهم، فالاحترام سرّ الصناعة الناجعة.

أشغلهم بعظائم الأمور، واصرفهم عن سفسافها؛ حتى تعلو هممهم وتسمو عزائمهم، ويسيرون في طريق الله على دراية ودُربة، فيقوى منهم العود وهم يتمرّسون فعل الخيرات، يألفون التفكير السويّ، يكتسبون المهارات النافعة، يتعلمون بالتنظير حينًا والتطبيق المدروس أحيانًا، فتُصقل ذواتهم ويكونون ربانين حقًّا.

استثمر معهم الأوقات، درّبهم على إدارة الوقت كما تدرّبهم على اختيار نوع النشاط، جنّبهم ما ألفه هذا الجيل من تضييع للأوقات وإزهاق للطاقاتات وتنفيس للقدرات بما لا يليق وما لا ينفع، فضاعت بذلك العقول وتسربت القوة، وغدا جيلاً هشًّا مهلهلاً فاقدًا لهويته.

إن رغبت في تربية النشء على عين الله، كن أنت قدوة، كن فاعلاً متوازنًا فاهمًا قادرًا واثقًا، فنحن في زمن باتت فيه صناعة الفتى المؤثر عملة نادرة؛ ما يدفع البعض إلى النكوص عن التربية ذات الجودة العالية، كن صاحب همة وعزيمة، وصاحِبْ من المربين من يتميّز، وانهل من أساليب التعليم والتربية والعلوم ما يرتبط بعلم النفس وعلوم القرآن التي لا تحدّها حدود، فالقرآن منهج حياة، يدعو المؤمن إلى أن يقف على حدوده كما يقف على حروفه، أن يتلوه بأدب وخشوع وكأنه يتنزل عليه، هذا هو القرآن يخاطب الإنسان خطابًا ناظمًا لحياته، والحياة واسعة فسيحة.

أخلص النّيّة لله وجدّدها ما استطعت، ولتكن رؤيتك معهم واضحة، وبوصلتك لأجلهم مضبوطة، حدّث نفسك بكل إيجابية وإشراق.

قد تضيق ذرعًا بعراقيل تواجهها في تربية الموهوبين، أحط بها علمًا بناءً على ما عرفته من ملامح شخصياتهم وطرائق تفكيرهم، خاطبهم على قدر عقولهم، وجههم وحرّكهم على قدر ملكاتهم، تابع وراقب وتحسّس الأخبار، عدّل ما يمكن تعديله فيهم، عزز ما يجب تعزيزه، اسستثمر ونمِّ، تعلّم كيف يكون ذلك واجتهد.

تجنّب الاعتماد على الأساليب القديمة فقط مع جيل مبدع، علمهم الخطابة والإلقاء وحفّظهم حروف القرآن، لكن احرص على أن يكونوا مصاحف تمشي على الأرض أكثر من حرصك على أن يتقنوا الوعظ بالقول، أبدع معهم في الوسائل، امزجهم في المجتمع، علمهم فقه المعاملات وفنون التفاعل مع قضايا الأمّة وبكل الوسائل والتقنيات الحديثة.

وما التربية بالمواقف إلا محطات شحذ؛ فالمواقف تكبر معهم وتعظم بعظمة قدرهم، عندها لن يجدوها تفوقهم بل يرون أنفسهم أهلاً لتلك المحكات والتحديّات وينجحون.

فإذا حصّلوا العلم والفهم بتمَرْحُل ذكي، تأسست النفوس السوية ثابتة محصّنة من السقطات، فلا الغرور -مثلاً- نخافه عليهم؛ إذ ما هو إلا وجه من وجوه الجهل.

استثمر صغر سنهم، لا يخفى على المهتم أن التاريخ أضاء بنجوم من الأطفال وبرز منهم الكثير في حضارتنا الغراء، أمثال عبد الله بن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأسامة بن زيد وغيرهم ممن لامست قاماتهم عنان السماء. بهؤلاء النماذج وبغيرهم يهتدي أطفالنا فتكون التربية بالقدوة، فما أجمل أن أشبّه أحدهم بأحد العظماء من أيّ زمن كان؛ لأغرس فيه حبّ ذاته أولاً حبًّا محمودًا، وحبّ القدوة ثانيًا لجميل خصالها، فأنت تبرمجه على العظمة في البذل والعطاء لخير أمّته، وتجتهد أن تزكّي نفسه بالعلم والعمل والحبّ، حتى لا تتحوّل العظمة المحمودة مرضًا وحسرة.

وكما نصنع القدوات للصغير فالمربي لها أحوج، وسيرة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- مليئة بالدروس والعبر لكل توّاق؛ كيف كان يحفّز؟! ها هو يقف بجانب سعد بن أبى وقاص وكان يرمي، فقال له: "ارم سعد فداك أبى وأمي"، وكيف يستقبل عبد الله بن الزبيروهو ابن سبع سنين ليبايعه، وهو يتبسّم إليه حين رآه مقبلاً ثم بايعه.

معرفتك أسباب الفشل تجعلك حذرًا مشمّرًا ساعيًا للمعرفة والإلمام بكل مقومات النجاح والتألق، حماية للغرس من كلّ انحراف، تعريف الطفل بربّه وجعله محبًا له يعلم ما الذي يغضبه سبحانه وما الذي يرضيه، وتمريره بمَحَكَّات ومواقف على شكل أنشطة ووسائل وفعاليات تعلّمه كيف يتجنّب نواهي الله وكيف ينفّذ أوامره، فإذا زلّ تقوّمه بإشفاق وحذر، وإذا نجح تعززه وتثني عليه على الملأ حينًا وبصمت حينًا، ستكون بهذا قد نجحت في صياغة قدرات نادرة، ولن يتأثر الفتى سلبًا بشهرة أو نجومية، بل سيكون نجمًا ربانيًا، وبهداه يقتدي غيرُه لرفعة الأمة، قل له: إنك قدوة للآخرين في هذا المجال أو ذاك، وعلّمه أن يستثمر ما وهبه الله فيما يرضيه جل وعلا، اربطه دومًا بالله فيراه حيث يريد وكيفما يريد، فالوازع الإيماني والرعاية التربوية المستمرة دون انقطاع ستثريه وتقوّيه، وتدفع عنه أمراض القلوب وتحصنه منها بعون الله.

أعانك الله وسدد خطاك ونفع بك وبه الأمة.

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة