المشرف التربوي ليس مجرد شخص يؤدي مهمة مؤقتة، ولا مرافقًا عابرًا في نشاط أو رحلة، بل هو عنصر تربوي مؤثر، يحمل في سلوكه قبل كلماته رسالة تُبنى عليها تصورات الطلاب عن الانضباط، والاحترام، وتحمل المسؤولية. فالإشراف التربوي في جوهره قدوة، والقدوة لا تُجزَّأ.

وتبدأ القدوة من المنظر العام، لأن الطالب يتعلم من الصورة قبل العبارة. التزام المشرف بمظهر لائق ليس تشددًا ولا مظهرية، بل احترام للمكان، وللطالب، وللدور التربوي نفسه. فكل تساهل في هذا الجانب يترجم – وإن لم يُقصد – رسالة سلوكية خاطئة.

ثم تأتي القدوة في الانضباط، وهي ركيزة أساسية في العمل التربوي. والانضباط لا يعني القسوة، بل الالتزام: احترام الوقت، التقيد بالتعليمات، تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وعدم التعامل مع الأنظمة بروح المزاج أو الاجتهاد الشخصي غير المنضبط. فالمشرف المنضبط يعلّم قبل أن يُوجّه.

كما أن المشرف التربوي قدوة في تعاملاته مع زملائه قبل تعامله مع الطلاب. أسلوب الحوار، نبرة الحديث، واحترام الخلاف، كلها دروس صامتة يتلقاها الطالب. وأي إساءة في الأسلوب بين المشرفين أمام الطلاب لا تُعد شأنًا شخصيًا، بل نموذجًا سلوكيًا يُغرس في أذهانهم.

ومن هنا تظهر المفارقة بين نموذجين مختلفين في الممارسة:

 

المشرف التربوي والمشرف المقاول

اختيار مصطلح «المشرف المقاول» هو تشبيه مقصود، لا سخرية. فالمقاول في عمله يتعامل مع حجر وحديد ومواد جامدة؛ لا يهم إن أمسك الحجر من الأعلى أو الأسفل، إن رفعه أو ألقاه، إن انكسر أو لم ينكسر، فالطريقة لا تغيّر من جوهر المادة. المادة لا تشعر، ولا تتأثر، ولا تتعلم.

وعندما تُنقل هذه العقلية إلى الميدان التربوي، تتجلى الإشكالية بوضوح. فالمشرف المقاول يتعامل بأسلوب واحد، وبمزاج واحد، وبطريقة يراها مناسبة له، لا بالضرورة مناسبة للطالب. لا يفرّق بين طفل وآخر، ولا بين موقف وآخر، لأن همه الأساسي أن "يمشي العمل" وينتهي اليوم.

أما المشرف التربوي، فهو يدرك أنه لا يتعامل مع حجر، بل مع طفل أصغر منه، ومع نفس حساسة، ومع عقل يتشكل. يعرف كيف يقترب، وكيف يوجه، ومتى يضع يده، وكيف يطلب، وبأي نبرة يتكلم. يدرك أن الكلمة قد ترفع طالبًا، وقد تكسره، وأن الطريقة أحيانًا أهم من الفكرة نفسها.

المشرف التربوي لا يتعامل مع الطالب كأداة، بل كأمانة. يرى فيه فلذة كبد، وروحًا تتعلم، وقائدًا محتملًا في المستقبل. ولذلك يغيّر أسلوبه، ويزن تصرفه، ويتحمل مسؤوليته كاملة، لأنه يعلم أن الأثر لا يُمحى بسهولة.

ومن المهم هنا التأكيد على أن المشرف التربوي ليس شخصًا مقدسًا، ولا يُطلب من الآخرين احترامه لمجرد مسماه. الاحترام لا يُفرض، بل يُكتسب. المشرف هو من يضع لنفسه مكانته بسلوكه، وهو من قد يسلبها عن نفسه بتصرفاته. فالاحترام نتيجة طبيعية للاتزان، والعدل، وحسن التعامل.

وفي المقابل، قد نجد المشرف المقاول يتعامل مع حجر أو مع عمال، لا لقيمة العلاقة، فهي مبنية لأجل المقابل أو المصلحة، بينما يتساهل أو يسيء في تعامله التربوي، لأنه لا يرى في الطالب طرفًا يطالبه أو يحاسبه.

وتتجلى المفارقة حين نرى من يوافق على قرار جماعي ثم يخالفه، أو من يترك طلابه دون متابعة، أو من يصرّح بعدم رغبته في تحمّل المسؤولية. فهذه الممارسات تعكس عقلية التخلص السريع، لا عقلية البناء التربوي.

إن الإشراف التربوي لا يقبل عقلية المقاولة، لأن التربية لا تُسلَّم عند نهاية الوقت، ولا تُقاس بعدد الساعات، بل بما يُزرع في النفوس ويبقى أثره بعد انتهاء البرنامج.

 

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل من يعمل في هذا الميدان:

هل نمارس الإشراف بعقلية المشرف التربوي…أم نؤديه بعقلية المشرف المقاول؟

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة