نقلا عن مجلة رواء // للدكتور جهاد بن عبد الوهاب خيتي
ليست كل القناعات التي تسكن عقولنا ثمرةَ برهانٍ وتأمّل؛ فبعضها يولد من التكرار، أو تصنعه العاطفة، أو تمنحه الشهرة قوة لا يملكها في ذاته. وربما كان أخطر ما في الأمر أنّ الإنسان يظنّ أنّه اختار ما يؤمن به بحرّية كاملة، في حين أنّ عوامل خفيّة كانت تعيد تشكيل نظرته إلى الأشياء بصمت. وتغدو هذه الآليات أشد أثرًا حين تتصل بقضايا المرأة والأسرة؛ لأنّها لا تُفرض غالبًا في صورة صدام مباشر، بل تتسلل تدريجيًا حتى تبدو وكأنها من البدهيات التي لا تحتاج إلى برهان.
يواجه الإنسان المعاصر تحدّيات فكرية وثقافية متزايدة لا تقلّ خطرًا عن التحدّيات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية، فكثير من المعارك المعاصرة لا تُدار بالسلاح، ولا تُحسم بالقوّة المادّية وحدها، وإنّما تُدار بالأفكار والصور الذهنية والشعارات والمؤثرات النفسية التي تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى دينه وأسرته ودوره في الحياة.
وقد أصبح الإنسان يتعرّض يوميًا لعشرات الرسائل التي تحاول التأثير في قناعاته وتوجيه مواقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الإعلامية، والأفلام والمسلسلات، والمقالات والبرامج الحوارية، بل وحتى عبر النقاشات اليومية العادية. والخطر لا يكمن دائمًا في الأفكار التي تعلِن عداءها للقيم أو للدين، وإنّما في الأفكار التي تتسلل في ثوب النصيحة أو الحرّية أو التقدّم أو الدفاع عن الحقوق، بينما تحمل في داخلها تصوّرات تؤثر في بناء الأسرة واستقرارها وتماسكها.
ومن هنا تبرز أهمية بناء الوعي والبصيرة؛ لأنّ الإنسان قد يمتلك معلومات كثيرة، لكنه يفتقد الميزان الذي يزن به هذه المعلومات، وقد يسمع آلاف الآراء، لكنّه لا يملك الأدوات التي تساعده على التمييز بين ما يستحق القبول وما يجب في حقه المراجعة والتثبّت.
لماذا يُستهدف وعي المرأة؟
ليس الاهتمام بقضايا المرأة في الخطابات الفكرية والإعلامية المعاصرة أمرًا عارضًا أو محض مصادفة؛ فالمرأة تمثّل أحد أهم المفاتيح المؤثرة في بناء المجتمعات أو إضعافها؛ ولذلك فإنّ التأثير في تصوّرات المرأة لا يقف عند حدودها الشخصية، بل يمتد إلى الأسرة كلها، ثم إلى الأجيال التي تنشأ داخل هذه الأسرة.
فالمرأة هي التي تغرس القيم الأولى في نفوس الأبناء، وهي التي تشارك في تشكيل مفهوم الدين والأخلاق والانتماء والهوية لدى الأجيال الجديدة؛ ولهذا فإنّ أي تغيير جذري في نظرة المرأة إلى الزواج أو الأمومة أو الأسرة أو الالتزام الديني ستكون له آثار بعيدة المدى تتجاوز شخصها إلى المجتمع بأكمله.
لذا يمكن فهم سبب التركيز الكبير على إعادة تعريف كثير من المفاهيم المرتبطة بالمرأة في العقود الأخيرة، فليست القضية مجرّد نقاش حول وظيفة أو حقّ أو دور اجتماعي، بل هي في كثير من الأحيان محاولة لإعادة تشكيل منظومة القيم التي تقوم عليها الأسرة والمجتمع.
إنّ حماية وعي المرأة ليست قضية نسائية خاصّة، بل قضية حضارية وأخلاقية وتربوية تمسّ مستقبل الأسرة والأمة، وكلّما ازدادت المرأة قدرة على التمييز بين الحقيقة والصورة المصنوعة، وبين الدليل والشعار، وبين النصيحة الصادقة والدعوات الموجهّة؛ كانت أقدر على حماية نفسها وأسرتها من كثير من الانحرافات الفكرية والسلوكية.
كيف يتسلل التضليل إلى الوعي؟
لا يتم التأثير في وعي المرأة عادةً عبر دعوات صريحة ومباشرة، بل من خلال أساليب أكثر خفاءً وتأثيرًا؛ إذ تُعاد صياغة الأفكار أحيانًا عبر قصص وتجارب فردية، أو شعارات جذابة، أو صور ذهنية متكررة، أو ضغوط اجتماعية وإعلامية؛ تجعل بعض التصورات تبدو وكأنها حقائق لا تقبل النقاش، ومن هنا تبرز الحاجة إلى التعرّف على أبرز الأساليب التي قد تُستعمل في توجيه القناعات وإعادة تشكيل النظرة إلى الدين والأسرة والمرأة والحياة.

ومن أبرز هذه الأساليب:
١- التعميم المتسرّع:
من أكثر الأخطاء شيوعًا في عصر الإعلام الحديث أن تتحول حالة فردية أو تجربة استثنائية إلى قاعدة عامة يُبنى عليها الحكم على آلاف الحالات الأخرى.
فالإنسان بطبيعته يتأثّر بالقصص أكثر من تأثّره بالأرقام، ويتفاعل مع المشاهد المؤثّرة أكثر من تفاعله مع الدراسات والإحصاءات؛ ولهذا نجد أنّ وسائل الإعلام ومنصّات التواصل تميل غالبًا إلى إبراز القصص الصادمة والاستثنائية؛ لأنّها أكثر جذبًا للانتباه وأكثر قدرة على إثارة التفاعل.
وقد تشاهد فتاة عشرات المقاطع التي تتحدث عن الخلافات الزوجية أو حالات الطلاق أو الظلم الأسري؛ فتبدأ تدريجيًا بتكوين صورة ذهنية سلبية عن الزواج نفسه، حتى لو كانت هذه النماذج تمثّل نسبة محدودة من الواقع.
وهنا يقع الخلل؛ لأنّ ما يُعرض أمامها ليس الصورة الكاملة، بل جزء محدود منها، فالبيوت المستقرة الهادئة لا تتحول غالبًا إلى مادة إعلامية مثيرة، بينما تنتشر المشكلات والأزمات بسرعة كبيرة لأنّها تجذب المتابعين.
ولهذا قد يستقرّ في وعي كثير من الفتيات اليوم أنّ الزواج كلّه معاناة، أو أنّ المرأة لا تجد السعادة بعد الزواج، أو أنّ الأسرة التقليدية سبب المشكلات! مع أنّ هذه الأحكام بُنِيت في كثير من الأحيان على تجارب فردية أو حالات استثنائية.
القرآن الكريم يربي المؤمن على العدل والإنصاف وعدم التسرّع في إصدار الأحكام، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: ٨]، ومن صور الإنصاف ألّا نحكم على مؤسسة عظيمة قامت عليها البشرية كلها من خلال بعض النماذج الفاشلة، كما لا نحكم على التعليم من خلال معلم سيئ، ولا على الطب من خلال طبيب أخطأ في تشخيص مريض.
إنّ المرأة الواعية تدرك أنّ وجود الخلل في بعض البيوت لا يدلّ على فساد فكرة الأسرة نفسها، بل يدلّ على حاجة الناس إلى تحسين تطبيق القيم الأسرية، وإلى مزيد من التربية والحكمة وحسن الاختيار.
إنّ الأسرة في التصور الإسلامي ليست عبئًا اجتماعيًا فُرض على الإنسان، بل هي من آيات الله الدالة على رحمته وحكمته، قال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: ٢٥].
٢- معيار الحق بين الموروث والجديد:
من أساليب التأثير على وعي المرأة اليوم أن تُعرض الأفكار والقيم والأحكام من خلال معيار واحد: هل هي قديمة أم حديثة؟ فإذا ارتبطت الفكرة بالماضي وُصفت بأنها متخلّفة أو غير مناسبة للعصر، وإذا كانت جديدة قُدمت على أنّها أكثر تطورًا وملاءمة للحياة المعاصرة.
وتتجلى هذه الصورة في كثير من القضايا المتعلّقة بالمرأة والأسرة؛ فحين يجري الحديث عن الحياء، أو الحجاب، أو ضوابط العلاقة بين الرجال والنساء، أو أهمية الأمومة، أو مركزية الأسرة في حياة المرأة، أو بعض الأعراف الاجتماعية السليمة التي تحفظ الاستقرار الأسري؛ تُقدَّم هذه المنظومة من القيم والأحكام على أنّها تنتمي إلى زمن مضى، وأنّ تحرّر المرأة وتقدّمها مرهونان بالتخفف منها أو تجاوزها. وفي المقابل تُقدَّم بعض التصورات الجديدة وكأنّ حداثتها دليل على صوابها، دون النظر في مشروعيتها، أو آثارها، أو مدى انسجامها مع الفطرة ومصالح الإنسان.
وهنا يقع الخلل؛ لأنّ معيار الحكم على الأفكار يتحوّل من البحث عن الحقّ إلى البحث عن الزمن؛ فبدل أن يُسأل: هل هذه الفكرة صحيحة مشروعة؟ وهل تحقّق الخير للمرأة والأسرة؟ يصبح السؤال: هل هي قديمة أم حديثة؟
والحقيقة أنّ عمر الفكرة لا يدل بذاته على صحتها ولا على بطلانها؛ فكثير من الحقائق والقيم التي حفظت حياة الإنسان واستقرار المجتمعات قديمة قدم الرسالات السماوية، كما أنّ التاريخ مليء بأفكار ونظريات ظهرت في ثوب الحداثة والتجديد، ثم لم تلبث أن تراجعت أو انكشف ما فيها من خلل.
من المهم أن تدرك المرأة المسلمة أنّ كثيرًا مما يُقدَّم اليوم على أنّه “موروث” ليس شيئًا واحدًا؛ فبعضه عادات اجتماعية قابلة للنقد والمراجعة، وبعضه الآخر أحكام شرعية وقيم دينية جاءت بها نصوص الوحي، لا يملك المسلم أمامها إلا التسليم والرضا، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥].
ولهذا فإنّ المرأة الواعية تزن الأفكار بميزان الحق لا بميزان القِدم والحداثة، وتنظر في أدلتها ونتائجها ومآلاتها، وتسأل: ما الذي يريده الله؟ وما الذي يحقق الخير الحقيقي للإنسان والأسرة والمجتمع؟
٣- الخلط بين المبدأ وأخطاء الممارسين:
من الأساليب الشائعة في التأثير على الوعي: صرف النطر عن الحكم الشرعي أو القيمة أو المبدأ إلى الأشخاص المرتبطين به، فتارة يجري التركيز على أخطاء بعض العاملين به، وتارة أخرى يجري الطعن في الأشخاص الذين يدعون إليه؛ حتى تصبح الأحكام والقيم والمبادئ مرتبطة في الأذهان بأخطاء الأفراد وعيوبهم بدل أن تُناقش في ذاتها.
ومن أكثر صور هذا الأسلوب شيوعًا فيما يخص المرأة: قضية الزواج؛ إذ تُسلَّط الأضواء على نماذج زواج فاشلة بسبب ظلم بعض الأزواج أو قسوتهم أو تسلّطهم أو تقصيرهم في حقوق زوجاتهم، ليُتوصّل بذلك إلى نتائج أوسع؛ كالتزهيد في الزواج نفسه، أو تصوير الحياة الزوجية على أنّها ساحة صراع دائم، أو الإيحاء بأنّ القوامة لا تعني إلا السيطرة والتسلّط.
وقد يأخذ الأمر صورة أخرى، فيُصرف الناس عن الاستماع إلى فكرة معيّنة بسبب موقف من صاحبها أو وصف يُلصق به؛ فيقال: هذا رأي متشدد، أو هذا كلام رجعي، أو هذا رأي لا يناسب العصر، وهكذا يتحول الاهتمام من مناقشة الفكرة وأدلتها إلى الانشغال بالأشخاص وتصنيفهم.
والخلل في الحالتين واحد؛ فالظلم الذي يمارسه بعض الأزواج لا يعني أنّ الزواج في ذاته ظلم، كما أنّ خطأ شخص أو سوء عرضه لفكرة ما لا يكفي للحكم على الفكرة نفسها، فالأفكار تُوزن بأدلتها ومقاصدها وآثارها، لا بأخطاء بعض العاملين بها أو بمكانة المتحدثين عنها.
ولهذا فإنّ المرأة الواعية لا تجعل الأشخاص معيارًا للحكم على المبادئ، بل تنظر إلى الفكرة نفسها، وتفرق بين الحكم الشرعي ومَن أساء ممارسته، وبين القيمة الصحيحة ومَن أخطأ في تمثيلها أو الدعوة إليها، وبهذا تكون أقدرَ على الإنصاف، وأبعدَ عن الأحكام المتعجّلة التي تهدم الأفكار بسبب أخطاء بعض الأفراد أو الانطباعات المرتبطة بهم.
٤- تحكيم المشاعر:
العاطفة جزء أصيل من تكوين الإنسان، وهي مصدر للرحمة والحنان والتعاطف، لكنّ المشكلة تبدأ حين تتحوّل المشاعر إلى معيار للحكم على التشريعات والقيم والأفكار. فبعض الخطابات لا تناقش الأدلة والحقائق، وإنما تراهن على إثارة التعاطف أو الحزن أو الغضب للوصول إلى نتائج محدّدة.
ومن أمثلة ذلك: أن تُعرض معاناة بعض الأمهات مع أعباء التربية، ثم يُراد من ذلك تصوير الأمومة على أنّها عبء يبدّد طاقات المرأة ويمنعها من تحقيق ذاتها، والحال أنّ وجود المشقة لا يعني فساد المهمة ولا انتفاء قيمتها؛ فكلّ مسؤولية عظيمة يصاحبها قدر من التعب والتضحية، ومن المهم أن تدرك المرأة المسلمة الفرق بين مشقّة التكليف ومشروعية التكليف، وبين صعوبة المسؤولية وقيمتها، فالأحكام الشرعية لا تُوزن بمقدار ما تثيره في النفس من ارتياح أو ضيق، وإنما تُوزن بما قامت عليه من حقّ وعدل ومصلحة.
ولهذا كان الوحي يرد الإنسان إلى ميزان أوسع من مشاعره الآنية، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦]، فالمرأة الواعية تستمع إلى مشاعرها وتفهمها، لكنها لا تجعلها الحَكَم الأخير في القضايا التي تُبنى على العلم والوحي والبصيرة.
٥- الاحتجاج بالكثرة:
من أقوى المؤثرات في الإنسان شعوره بأنّ الجميع يسيرون في اتجاه معين، فالفكرة تكتسب في نظر كثير من الناس قوة إضافية كلّما بدت أكثر انتشارًا، ويزداد تأثيرها حين تتكرر في البيئة المحيطة أو في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي.
وقد تضاعف هذا التأثير في عصر الإعلام الرقمي؛ إذ أصبح الإنسان يرى يوميًا آلاف التعليقات والمقاطع والرسائل التي توحي له بأنّ رأيًا معينًا هو الرأي السائد، وأنّ مخالفته نوع من الغرابة أو التخلّف، لكن انتشار الفكرة شيء وصحّتها شيء آخر؛ فكم من عادات وأفكار راجت بين الناس فترة من الزمن ثم تبيّن ضررها أو خطؤها، وكم من قيم صحيحة بقيت غريبة في بعض البيئات رغم ما تحمله من خير ونفع.
ولهذا ربّى القرآن المؤمن على التحرّر من ضغط الكثرة، فقال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: ١١٦]، وهذا يبيّن أنّ شيوع القول أو كثرة المتحدثين به لا تجعل منه حقًا، وأنّ اختلال الموازين قد يدفع الناس إلى قبول ما لا يستحق القبول ورفض ما هو أولى بالاتباع.
وتحتاج المرأة المسلمة إلى هذا المعنى بصورة خاصة؛ فقد تشعر أحيانًا أنّ التمسك بالحجاب، أو تجنب الاختلاط، أو تجنب العلاقات غير المنضبطة عبر وسائل التواصل، أو تقديم الزواج وتكوين الأسرة على بعض الخيارات الـمِهَنيّة؛ أصبح أمرًا غريبًا في بعض البيئات، لا لأنّ هذه القيم فقدت صحتها، بل لأنّ الخطاب السائد حولها قد تغيّر، حتى بدا التمسك بها خروجًا عن المألوف لدى بعض الناس، مع أنها الحق، وفيها صلاح الدين والأسرة والمجتمع.
٦- مرجعية الشهرة الزائفة:
أصبحت الشهرة في عصر المنصات الرقمية تصنع لبعض الناس سلطةً تتجاوز حدود اختصاصهم، فيُقبل قولهم في شؤون الدين والأسرة والحياة لمجرد انتشار أسمائهم واتساع جمهورهم، لا لقوة علمهم أو رسوخ خبرتهم. ومع أنّ الشهرة قد تصاحب الكفاءة، فإنّها في عصر المنصات الرقمية لم تعد قرينةً معتبرة عليها؛ فكثيرًا ما تُصنع لأسباب لا تتصل بالعلم أو الحكمة، ولذا فإنّ الخطأ لا يكمن في شهرة الشخص ذاتها، وإنّما في تحويلها إلى مرجعية معرفية، والتسليم للمتحدث في كل شأن لمجرد كثرة متابعيه أو انتشار اسمه، دون نظرٍ في علمه واختصاصه وقوة ما يقدمه من دليل.
وقد أخبر النبي ﵌ عن زمن تختل فيه الموازين، ويتصدر فيه للكلام من ليس أهلاً له، فقال: (سيأتي على الناسِ سنواتٌ خدَّاعاتٌ، يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ. قيل: وما الرُّوَيْبضةُ؟ قال: الرجلُ التافِهُ في أمرِ العامَّةِ)[١].
وتبرز هذه المشكلة بوضوح في القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة؛ إذ تنتشر نصائح وآراء كثيرة حول الزواج والعلاقات الأسرية وتربية الأبناء، ويتعامل معها بعض الناس بوصفها حقائق مسلّمة لمجرّد أنّ مَن يطرحها شخصية معروفة أو مؤثرة، مع أنّ هذه القضايا تحتاج إلى علم وخبرة وبصيرة، لا إلى شهرة فحسب.
ولهذا فإنّ المرأة الواعية لا تجعل المشاهير مرجعيتها في قضايا الدين والأسرة والحياة، بل تزن ما تسمع بميزان العلم والحق، وتدرك أنّ الشهرة قد تصنع مؤثّرًا، لكنها لا تصنع بالضرورة عالـمًا أو مربيًا أو ناصحًا أمينًا.
٧- الاحتجاج بالقوة والسلطة:
من المؤثرات الخفيّة في تشكيل القناعات أن ترتبط الفكرة بجهة قوية أو مؤسسة نافذة أو دولة مؤثّرة؛ فيكسبها بعض الناس قدرًا من المصداقية لا بسبب قوة أدلتها، وإنما بسبب قوة مَن يقف خلفها.
ولا يقتصر أثر القوة على فرض القرارات أو توجيه السياسات، بل يمتد إلى تشكيل التصورات والقناعات، فحين تمتلك جهة ما نفوذًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو إعلاميًا واسعًا، تصبح أكثر قدرة على تقديم أفكارها بوصفها معايير عالمية أو حقائق لا خلاف عليها، حتى لو كانت في حقيقتها محلّ نقاش واعتراض، ومع تكرار هذا الخطاب تنشأ حالة من التسليم التدريجي، لا لقوة الدليل، وإنما لقوة الحضور والتأثير.
وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في حديثه عن فرعون؛ إذ كان يوظف سلطانه ومكانته في التأثير على الناس، {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: ٥١]، وكان يقول لقومه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: ٢٩].
وتبرز هذه الصورة بوضوح في كثير من القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة في عصرنا الحاضر؛ إذ تمارس بعض المؤسسات والمنظمات الدولية ضغوطًا سياسية وإعلامية وتشريعية واسعة لفرض تصوّرات معيّنة تتعلّق بالأسرة والعلاقات بين الجنسين وسنّ الزواج والحقوق الإنجابية وغيرها من القضايا[٢]، ومع كثرة الترويج لهذه التصوّرات وربطها بالحداثة والتقدّم والمعايير العالمية؛ ينشأ لدى بعض الناس شعور بأنّ مجرّد صدورها عن جهات نافذة يجعلها حقائق لا تقبل المراجعة أو النقاش.
ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك: ما يتعلق بسنّ الزواج، أو العلاقات خارج إطار الزواج، أو بعض التصوّرات المرتبطة بالفروق بين الرجل والمرأة داخل الأسرة؛ حيث يتحول النقاش أحيانًا من دراسة هذه القضايا في ضوء الدين والفطرة والمصلحة الاجتماعية إلى التسليم بما تطرحه الجهات الأقوى نفوذًا وتأثيرًا.
لذا فإنّ من أهم مظاهر الوعي: ألا تتحول الهيمنة السياسية أو الإعلامية إلى مرجعية فكرية، وألا يُنظر إلى الأفكار بوصفها حقائق لمجرّد أنّ جهات نافذة تتبناها أو تروج لها، فالحقّ لا يكتسب شرعيته من موازين القوة، وإنّما من موافقته للعدل والفطرة وشرع الله تبارك وتعالى.
٨- التشبيهات المضلّلة:
يضرب الناس الأمثال ويعقدون المقارنات لتقريب المعاني وتوضيح الأفكار، وهذا أمر نافع إذا استُعمل في موضعه الصحيح، لكنّ بعض التشبيهات قد تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل التصوّرات بطريقة توحي بأمور لا تعكس حقيقة الواقع.
ومن أكثر الأمثلة شيوعًا في الخطاب المعاصر: ما يتعلق بالأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة؛ إذ يُكثر بعضهم من الحديث عن “مؤسسة الزواج”، و”شريك الحياة”، و”الشراكة الزوجية”؛ حتى تُفهم العلاقة الزوجية أحيانًا بمنطق الشراكة التعاقدية أكثر من فهمها بوصفها رابطة تقوم على السكن والمودة والرحمة والتكامل. ومع أنّ بعض هذه الألفاظ قد يكون مقبولاً في أصله، فإنّ الإكثار من هذا النمط من التشبيهات قد يدفع إلى النظر للأسرة من زاوية الحقوق والمصالح المتبادلة وحدها، مع إغفال أبعادها الإيمانية والتربوية والإنسانية.
وكذلك تُشبَّه الأمومة أحيانًا بأيّ وظيفة مهنية أخرى، فيُقاس أثرها بالمعايير نفسها التي تُقاس بها الأعمال المدفوعة الأجر أو المناصب الوظيفية، مع أنّ الأمومة ليست مجرّد وظيفة، بل علاقة إنسانية وتربوية عميقة يمتدّ أثرها إلى بناء الشخصية وتشكيل الأجيال، ولا يمكن اختزال قيمتها في المقاييس المادية أو المهنية المجرّدة.
ولهذا فإنّ الوعي الحقيقي لا يقف عند ظاهر الألفاظ والصور الذهنية الشائعة، بل يسعى إلى فهم ما تحمله من افتراضات خفية وآثار بعيدة؛ إذ ليست كلّ التشبيهات بريئة، ولا كلّ المصطلحات محايدة، فقد تختزن في طياتها تصورات تعيد توجيه النظر إلى الأشياء وتغيير طريقة الحكم عليها والتعامل معها.
٩- وهمُ التعارض:
لعل من أكثر الأساليب شيوعًا في التأثير على وعي المرأة: تصوير بعض القضايا وكأنها لا تحتمل إلا خيارين متقابلين لا ثالث لهما، بحيث تُدفع المرأة إلى الاختيار بين أحدهما والتضحية بالآخر:
» إمّا النجاح العلمي والمهني، وإما الزواج والأسرة.
» إمّا المحافظة على الحجاب والضوابط الشرعية، وإمّا المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
» إمّا الأمومة وتربية الأولاد، وإمّا تحقيق الذات والطموح الشخصي.
ومع تكرار هذه الصورة يترسّخ في الأذهان أنّ الجمع بين هذه الأمور مستحيل أو نادر، وأنّ على المرأة أن تدفع ثمن أيّ نجاح تحقّقه بالتنازل عن جانب آخر من حياتها، والحقيقة أنّ الواقع أكثر اتساعًا وتعقيدًا من هذه الصور المختزلة؛ فليست كل امرأة مطالبة بالسير في المسار نفسه، كما أنّ الخيارات المتاحة في الحياة لا تنحصر غالبًا في طريقين متقابلين.
والواقع يشهد بأنّ كثيرًا من النساء استطعن الجمع بين التمسك بدينهن والتميز العلمي والمهني، كما استطاعت أخريات أن يشاركن في مجالات نافعة مع المحافظة على الحجاب والالتزام بالضوابط الشرعية، وكثير من النساء أكملن دراساتهن العليا وتخصصاتهن المختلفة، ثم اخترن أن يجعلْن الأسرة وتربية أولادهن في مقدمة أولوياتهن، ولم يكن ذلك ضياعًا لسنوات الدراسة أو هدرًا للجهد، بل استثمارًا للعلم والخبرة في بناء أسرة واعية وتربية جيل صالح ومتعلم.
إنّ المشكلة ليست في وجود مفاضلات أو تحدّيات حقيقية في بعض مراحل الحياة، فهذه طبيعة الحياة الإنسانية، وإنّما في تصوير الواقع وكأنّه لا يسمح إلّا بخيار واحد على حساب كل ما سواه، فالمرأة الواعية تدرك أنّ النجاح له صور متعددة، وأنّ بناء أسرة مستقرة أو تربية أبناء صالحين أو الجمع بين عدد من الأدوار النافعة قد يكون من أعظم صور الإنجاز والعطاء.
الخاتمة:
ليس المطلوب أن تكون المرأة متخصصة في الشريعة أو الفكر أو الفلسفة حتى تكتشف ما قد يُوجَّه إلى عقلها من أساليب التأثير وإعادة تشكيل القناعات، وإنما المطلوب أن تمتلك من البصيرة والوعي ما يجعلها تتوقف قبل التسليم، وتسأل قبل الاقتناع، وتبحث عن الدليل قبل أن تغيّر قناعة أو تتبنى موقفًا.
ولهذا كان القرآن الكريم يربي المؤمنين على التثبت والتفكر واتباع الدليل، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦]، وقال سبحانه: {فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: ١٧-١٨].
وإذا امتلكت المرأة هذا الوعي والبصيرة فإنها لا تحمي نفسها فحسب، بل تسهم في بناء أسرة أكثر ثباتًا، وجيل أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين ما يبني الإنسان وما يهدمه. وهذا من أعظم ما تحتاجه الأسرة المسلمة في زمن تتكاثر فيه الرسائل، وتتشابك فيه الأصوات، وتختلط فيه الحقائق بالشعارات.
[١] أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٦) واللفظ له، وأحمد (٧٩١٢).
[٢] ينظر: قراءة في كتاب “المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة”، مجلة رواء، العدد الحادي عشر، ربيع الأول ١٤٤٣هـ، أكتوبر ٢٠٢١م.
إضافة تعليق