تسنيم عبدالرحمن النمر
في زمنٍ يعاني فيه شباب المسلمين وأبناؤهم من أزمة غياب القدوة؛ مما اضطرهم لاستبدال نماذج مصطنعة من بطولات زائفة وإنجازات تافهة بمن يستحق الاقتداء به على الحقيقة، واستحوذت تلك النماذج على عقولهم وقلوبهم، وملأت فراغًا كان غيرهم أجدر منهم بملئه.
وما أكثر ما أنتجت أمة المسلمين من نماذج! فهي كالمعين الذي لا ينضب، ومن أجَلِّ هذه النماذج، فاتح القدس الشريف القائد صلاح الدين الأيوبي، الذي سطرت أمجاده كتب الشرقيين والغربيين على حد سواء، ولم يتوان منهم أحد إلا أن يذعن لعظمته.
فهو الذي قال فيه شاعر إيطاليا الأشهر دانتي أليجري: «رأيت صلاح الدين أمة وحده»، ورغم تعاطف ابن الأثير الذي لا يخفيه مع خصوم صلاح الدين السياسيين، فإنه لم يتمالك أن يستل سيف الإنصاف حين تحدث عن واحد من أعظم من استلوا سيفًا في سبيل الله.
فيقول ابن الأثير في موسوعته الغنية عن التعريف «الكامل في التاريخ»: «وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب غير صلاح الدين وكفاه ذلك فخرًا وشرفًا».
وقال في موضع آخر: «وبالجملة كان نادرًا في عصره، كثير المحاسن والأفعال الجميلة، عظيم الجهاد في الكفار، وفتوحه تدل على ذلك»، وهذا غير ما أفرده المؤرخ الإنجليزي ستانلي لين بول في كتابه الذي يحمل اسم «صلاح الدين»، ونقله إلى العربية نقلًا يليق بعمل بهذه القيمة العلمية د. علاء النهر، فأحسن وأجاد.
ومن كل ما سبق يتضح أن استحضار شخصية بحجم صلاح الدين الأيوبي ضرورةً تربوية قبل أن يكون مجرد اطلاع على أحداث تاريخية، فأمثال صلاح الدين، ومحمد الفاتح، وإن تذكرناهم بفتوحاتهم العظيمة، إلا أننا لا ينبغي أن نختزل شخصياتهم في لحظة الفتح، وهذا ليس تقليلًا من شأن الفتح، وإنما تعظيمًا لاستفادتنا من سيرهم، لأن أمثال هذه الشخصيات سارت في طريق العظماء لسنوات بخطى دؤوبة، قبل أن تتوج على قمته، مخلدة اسمها بحروف من ذهب وسط أسمائهم.
كيف نصنع نموذج القائد البطل في أبنائنا؟
1- القصة والسرد أداة التأثير الأولى:
يُثبت علم الأعصاب المعرفي أن القصة أبلغ وسائل تشكيل البنية القيمية للإنسان؛ (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) (يوسف: 111)، ويُشير الباحث جيروم برونر في كتابه «عقول حقيقية وعوالم ممكنة» إلى أن الإنسان يفهم العالم من خلال الروايات السردية لا من خلال المعلومات المجردة.
لذا، فإن تقديم سيرة صلاح الدين بأسلوب سردي مُشوّق لا بأسلوب تلقيني، الخطوة الأولى الجوهرية.
عملياً: اجلس مع ولدك قبل النوم واروِ له حادثة واحدة من سيرة صلاح الدين، ليس كدرس، بل كحكاية مُشتركة، ثم اسأله: ماذا تظن فعل صلاح الدين؟ قبل أن تخبره بما فعل،
ومن الكتب المناسبة للأطفال التي قصت سيرته كتاب صلاح الدين «أمير الإسلام النبيل»، وهو مع الأسف لم يترجم للعربية، وإن كان في المكتبة العربية ما يغني عن الاستعانة به إن أحسن قارئها سرد أحداثها للأطفال.
2- تأثير القدوة:
تُشير أبحاث ألبرت بندورا في نظرية التعلم الاجتماعي إلى أن الأطفال يتعلمون القيم الأخلاقية والإنسانية الحسنة بالمشاهدة والمحاكاة أكثر من التلقين، فإذا كنت تريد لابنك أن يُصلي، فليرَ أباه يُصلي في وقت الصلاة مهما كانت الأحوال، وإذا كنت تريد تعليمه الوفاء بالعهد، فليرَه أباه يُوفي بوعده حتى في الأمور الصغيرة.
3- وسائل التواصل الاجتماعي:
يُمضي الطفل المسلم اليوم ساعاتٍ يومياً بلا حسيب ولا رقيب، تُشكّل جزءًا لا يستهان به من شخصيته وهويته، والقول بأنها تُعيد برمجة قيمه غير بعيد، لا سيما في غياب الدور التربوي للأسرة، وتبدو الإجابة أيسر مما تبدو إذا كانت بالبعد عن تلك الوسائل بالكلية، ولو حتى حين، ودول كالسويد وأستراليا بدأت في إدراك ذلك بالفعل، وإن كان هذا الإدراك متأخرًا، بعد أن خسر عدد لا يستهان به من أبنائهم حياتهم لصالح التنمر الإلكتروني وضعف الثقة بالنفس الناشئ بالأساس من المقارنات المشوهة على تلك التطبيقات.
وإن كان الامتناع بالكلية اقتراحًا غير مقبول، فلا أقل من التدخل الذكي، لكن أن يُسلم قياد الطفل لغير ذويه، وأن يُترك حبله على غاربه تحت مسمى أنه حر، فتلك حرية تُجنى قطافها حنظلًا في مستقبل غير بعيد.
خطوات عملية مُقترحة للوالدين والمربّين
يمكن عمل مسارات تربوية مشابهة لهذا المسار؛ بحيث يكون لكل مسار أسلوب يتناسب وسن الطفل ومهاراته وله هدف يصل إليه بنهايته.
المرحلة الأولى (5 – 9 سنوات): البذرة القصصية:
اروِ القصص التاريخية بأسلوب شيّق، وقدّم صلاح الدين بوصفه إنساناً حقيقياً لا أسطورة تقصر الأذهان عن تخليها، وتفنى العزائم دون أن تحلق بركبها، واحرص على التركيز على صفات معينة تريد غرسها في طفلك من خلال هذا السرد، اختر صفتين مثلًا: كالصدق والشجاعة، واجعل طفلك يُعبّر لك بالرسم أو اللعب أو الكلام أو الكتابة عن مشاعره تجاه ما سمع.
المرحلة الثانية (10 - 14 سنة): بناء الهوية:
قدّم مصادر أوليّة مُبسَّطة، واجعل له في هذا السن قائمة قراءة شهرية، تتناقشان في فحواها أسبوعيًا مثلًا، وناقش مع المراهق مواقف حياتية معاصرة في ضوء قرارات صلاح الدين، وما قرأ عمومًا، اجعله يقرأ ثم يُلخّص ثم يتساءل، والأهم أن يربط كل ذلك بما يراه ويسمعه فلا يحس أن ما يقرأه بمنأىً عما يعيشه في حياته اليومية أو المدرسية.
المرحلة الثالثة (15 سنة فأكثر): مرحلة الاستيعاب النقدي:
لا شك أن شخصية الشاب في هذا السن بدأت تتبلور، وآن الأوان لشخصيته في الظهور في مواقف الحياة اليومية، التي عاش معظمها قبل هذه المرحلة في ظلك، فإن أحسنت فيما سبق، أحسنت لنفسك قبل أن تحسن لولدك، وإن أسأت فعليكما، فتنشئة الولدان ليست لعبة للصبيان.
وليعلم كل مربٍّ أنه حين يغرس في قلب طفله بذرة طيبة، فإنه أول من يستظل بشجرتها حين تُورق، وإن وفق الله تعالى ولده لمعال الأمور، فقد تستظل بشجرته أمة لعقود، وينبغي ألا يعظم ذلك الأمر في نفسه بما يقعده عن القيام به، فجيش صلاح الدين وإن قاده هو، إلا أن رجالًا أشداء على الكفار، رحماء بينهم كانوا خلفه، وهؤلاء الرجال هم مجموع الأمة، فليس معنى أن كل طفل لم يخلق ليكون لصلاح الدين أنه قد حُرم بالتالي بتبوء مقعده في خدمة دينه.
وليعلم المُربي أنه يُشارك في مشروع أوسع بكثير من بيته وأسرته، ألا وهو مشروع بناء مسلم فاعل غير مفعول به، لا يكترث له أحد، وأن هذا ثغر يقف عليه كل أب مسلم وكل أم مسلمة.
إضافة تعليق