الأساليب الوالدية هي مجموعة من السلوكيات التي يتبعها الوالدان بشكل مقصود أو غير مقصود لتعليم أو تعديل أو تغيير قواعد سلوكية معينة عند الأبناء.[1]

 

وأثناء رحلة التربية يقع الآباء والأمهات ببعض الأخطاء الشائعة، ولكن الشيء الأكثر ضررًا وأبلغه أثرًا هو اختلاف أسلوب للتربية بين الآباء والأمهات. ويتمثل الاختلاف بين الوالدين في التربية، في تربية كل طرف للأبناء وفق فكر معين، و تبني أسلوب تربية محدد، ثم يتضارب ذلك الأسلوب مع أسلوب الطرف الآخر. و قد يصل الأمر إلى حد التضاد؛ مما يضع الأبناء في حيرة أي أسلوب التربية هو الصحيح! فيميل الطفل إلى أسلوب الطرف اللين المتساهل؛ مما يؤثر بالسلب على الطفل، و تتزعزع ثقته بالمربي ويصبح مشتتًا ما بين الصواب والخطأ. بينما التربية الصحيحة هي مسؤولية مشتركة بين الوالدين وتتمثل في اتباع نهج موحد بين الطرفين، ويتحقق من خلاله التناغم التربوي في القرارات التربوية.

 

أهمية التناغم التربوي وتوحيد أسلوب التربية بين الوالدين:

التربية مسؤولية مشتركة بين الوالدين؛ فلكل طرف له مسؤولية في عملية التربية، لكل منهم دور حسب قدرته، فلا تقتصر التربية على طرف دون الآخر. والدليل على ذلك:

 عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) .[2]

وفي هذا الحديثِ يُرشِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كلَّ فرْدٍ مِن أُمَّتِه إلى القيامِ بواجبِه نحْوَ ما خَوَّله اللهُ عليه، فيُخبِرُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه ما مِن مُسلمٍ في هذه الأمَّةِ إلَّا وتحْتَه مَن يَرْعاهم ويَتحمَّلُ مَسؤوليَّتَهم.[3]

وينبغي على كل فرد أن يؤدي دوره لأنه سوف يُحاسب عليه؛ فالرَّاعي: هو الحافِظُ المُؤْتمَنُ المُلتَزِمُ صَلاحَ ما قامَ عليه، فكُلُّ مَن كانَ تحْتَ نَظَرِه شَيءٌ فَهو مُطالَبٌ بالعَدلِ فيهِ والقيامِ بمَصالِحِه في دِينِه ودُنْياهُ ومُتَعَلِّقاتِه.

 

و دليل آخرًا على أهمية التناغم التربوي وأن التربية عمل مشترك بين الوالدين، هي أن  التوجه الديني للأبناء مبني على توجه أبويهم معًا وليس واحداً منهما فقط: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ) .[4]

 

نمط الشورى في التربية:

على الرغم من أن التربية مسؤولية مشتركة ، نجد أن سبب الكثير من المشاكل بين الوالدين هو غياب نمط الشورى بينهم، بينما قال الله تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) البقرة/233

أي: إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين إذا تراضيا وتشاورا في ذلك؛ ليصلا إلى ما فيه مصلحة المولود فلا جناح عليهما.

ما هي أسباب اختلاف أسلوب التربية بين الوالدين:

 

معظم الحالات التي يحدث فيها اختلاف في التربية بين الوالدين يرجع السبب إلي:

 

-       عدم ثقة كل طرف في أداء الطرف الآخر؛ كخوف الأم على ابنها من ممارسات الوالد القاسية، و خوف الأب من تدليل الأم المفرط للابن.

-        اختلاف في الأفكار والرؤى حول الكثير من القضايا الخاصة بتربية الأبناء.

-       اختلاف في الثقافة أو المستوى التعليمي لأحد الوالدين، أو اختلاف البيئة التي ينتمي إليها الأب والأم كالبيئة المحافظة أو المنفتحة.

-       عدم إدراك عواقب اختلاف أسلوب التربية الوالدية و تأثيره على شخصية ونفسية الطفل.

-       عدم الاتفاق المسبق بين الأب والأم على طريقة معينة لتربية الأبناء.

-        افتقار لغة الحوار بين الوالدين خاصة الحوار المشترك حول التربية، و خصومة الوالدين أو خلافهم معًا مما ينعكس على الأبناء.

لماذا تعتبر تربية الأبناء كفريق أمرًا مهمًا؟

الطريقة التي تتفاعل بها أنت وشريكك أو شريكك السابق مع بعضكما البعض لها تأثير كبير على أطفالك. فتربية الأبناء كفريق واحد من خلال وضع هدف واضح وواحد للتربية، والاتفاق المسبق والمشترك على أسلوب موحد للتربية هو أمرًا ضروريًا لصحة الأبناء النفسية. على سبيل المثال، بعض الأمور كمواعيد نوم الأبناء، و أسلوب التغذية المناسبة للأطفال، وأساليب الانضباط.

فالطريقة التي تتفاعل بها أنت وشريكك كفريق واحد مع بعضكم البعض لها تأثير على الوالدين والأبناء:

 

تأثيرها على الأبناء:

      يشعر الأطفال بالأمان والرضا عن أنفسهم عندما يكون هناك توافق في أسلوب التربية بين الوالدين.

      يتعلمون طرق التواصل الفعال مع الآخرين.

      يكتسبون مهارات بناء علاقات إيجابية مع الآخرين؛ وذلك ضروري لتطورهم العاطفي.

 

تأثيرها على الوالدين:

     الشعور بالسعادة والثقة والرضا تجاه التربية وحياتك العائلية.

      يُسهل عليك الاستمتاع بالوقت الذي تقضيه مع عائلتك.

 

كيف نتعامل مع اختلافاتنا التربوية كوالدين؟

لعلك تساءلت هل الاختلاف بين أسلوب الوالدين جيد للأبناء؟! وكيف أتعامل إذا اختلفت مع الطرف الآخر؟ يعتقد البعض أن التربية الصحيحة تكمن في عدم الاختلاف بين الوالدين نهائيًا، لكن من الطبيعي الاختلاف بين أساليب الوالدين، بسبب اختلافهم الثقافي وعوامل أخرى. ولكن عليهم الوصول إلى طريقة مناسبة لاحتواء هذا التعارض والوقوف على أرضية مشتركة بينهم؛ بالحوار والتفاهم والمشاورة. وعليهم إدراك عواقب هذا الاختلاف على شخصية ونفسية الطفل.

 أولًا: علينا التفرقة ما بين الخلاف الديني أو الدنيوي في تربية الأبناء.

  يجب الاتفاق بين الوالدين في الأمور الدينية لضمان صلاح الأبناء واستقامتهم، أما الأمور الدنيوية فالخلاف فيها أمر طبيعي كمواعيد النوم وأساليب الانضباط وأساليب تعديل السلوك، وعلى الوالدين محاولة الوصول إلى أرضية مشتركة ووفاق في أسلوب التربية.

 

ثانيًا: علينا أن نفرق ما بين الاختلاف الصحي والاختلاف السيء.

 

     الاختلاف الصحي:

يتعلم منه الأبناء أن هناك اختلاف بين الشخصيات وموازنة للآراء ويتعلمون فن التعامل مع الاختلاف ومهارة التوفيق بين الآراء المختلفة؛ مما ينمي من ذكائهم الاجتماعي في التعامل مع الأشخاص المختلفين عنهم.

       الاختلاف السيء:

 هو الاختلاف الذي لا أساس له؛ يكون بهدف الانتقام وتقليل شأن الآخر أو بغرض فرض السيطرة على الآخر دون منطق أو يصاحبه تهديد وصراخ.. مما يترتب عليه ازدواجية وضعف في شخصية الأبناء وهدم صورة القدوة في ذهنهم.

 

توجيهات لتحقيق التناغم التربوي بين الوالدين:

إليك بعض النصائح لتحقيق التناغم التربوي بين الوالدين:

 

     الأمانة في التربية:

التربية مسؤولية وأمانة، فمن الضروري أن يتعامل الوالدين في التربية بصدق؛ فلا يظهر أحد الوالدين موافقة على أسلوب تربوي محدد ثم يناقضه ولا يقوم به في غياب وجود هذا الطرف. حتى لا يفقد الوالدين الثقة فيما بينهم.

 

     المشاورة:

من أفضل أنماط التربية هو نمط الشورى؛

فالتشاور بين الوالدين يمكن أن يرشدهما إلى طريقة قويمة في تربية الأبناء، ويكون ذلك من خلال اتفاقهما على خطة موحدة وأن يلتزم كل منهما بالحوار الدائم حول كل مسلك تربوي مع تحليله ومناقشة مزاياه وعيوبه ومدى فاعليته للأبناء وكيفية تطبيقه.

 

     الاتفاق على استقامة الأبناء وصلاحهم:

أن يكون المرجع في تربية الأبناء مرجع ديني، مع الاتفاق المسبق على الأمور الدينية وعدم الخلاف الديني وإلا سيفسد الأبناء. مع صدق نية الطرفين في صلاح أنفسهم قبل صلاح أبنائهم.

 

     التفاهم المسبق بين الآباء والأمهات :

التفاهم المسبق بين الوالدين ضروري لإيجاد طريقة واحدة وواضحة، وعدم توجيه رسالة تربوية مخالفة للطرف الآخر وإن كان هناك ملاحظات على ذلك فنقاشها يكون بعيدًا عن الأبناء، حتى يصلا إلى حل يتفقان عليه، ثم يعلنان القرار النهائي لهما.

 

      التواصل الفعال بين الوالدين:

خصص وقتًا لمناقشة شريكك في أهدافكم التربوية، والأساليب المتبعة، وكيفية الوصول لتلك الأهداف التربوية.

 

     النقد البناء لأساليب الوالدين لكم في الصغر:

من أفضل الطرق لتوحيد أسلوب التربية هو مناقشة أساليب تربية الوالدين القديمة و عرض مزاياها وعيوبها و تأثيرها على شخصيتكم ومدى ملائمتها لعصرنا هذا، ثم ابدأ في تحديد الأشياء التي تريد تقليدها تجاه طفلك. وما الأشياء التي لا تريد تكرارها. فكلما ناقشت أساليب تربية والديك القديمة لك وحددت أي نوع المربين كان والداك، تمكنت من فهم واكتشاف كيفية نشأتك. وأصبحت أكثر استعدادا لمعرفة أي نوع من المربين تريد أن تكون عليه.

 

     انتقد شريكك في وقت لاحق:

انتقد شريكك في وقت لاحق على انفراد، ولا تنتقده أمام أطفالك؛ لأن رؤية أطفالك لخلافك مع شريكك حول أساليب التربية المتبعة؛ تُشعر الطفل بعدم الثقة في المربي.

 

     ابحث عن أرضية مشتركة بينك وبين شريكك:

ركز على الوصول إلى حل وسط وإيجاد شيء مشترك؛ مما يسهل إجراء حوار فعال مع الطرف الآخر ويسمح بتبادل الأفكار وتلقيها. فعندما تصبحوا فريقًا واحدّا سوف تكتشفون طرق لمساعدة الأبناء على التعايش بشكل أفضل.

 

     مناقشة أساليب تعديل السلوك:

الاتفاق الموحد على كيفية التعامل مع التحديات السلوكية؛ من خلال مناقشة بعض التغييرات السلوكية التي يمر بها الابن في تلك المرحلة أو المتوقع حدوثها في تلك المرحلة، وكيفية التعامل الصحيح معها، بحيث يكون لديك استجابة محددة مسبقًا لمواكبة هدفك في تربية الأبناء كفريق واحد.

 

     الإطلاع على كتب التربية:

هناك العديد من المؤلفات والمقالات والدراسات التي وضعها أرباب التربية؛ تقدم المشورة للآباء والأمهات، وتهتم بتحويل الكلام النظري إلى واقع ملموس. سوف يساعدك  ذلك كثيرًا في اكتشاف أي نوع من المربين أنت؟! و سوف يقدم لك أفكارًا لتربية طفلك تربية سليمة وتنشئة طفل ذكي عاطفيًا وتتعرف من خلالها على خصائص تلك المرحلة التي يمر بها طفلك وكيفية التعامل السليم معها.

 

 

    وفي النهاية، ينبغي على الوالدين أن يعلموا أن لكل منهم دور مكمل لدور الطرف الآخر، فلا يستغني الأب عن الأم والعكس صحيح. فجعل الله فالمرأة ما لم يجعله في الرجل كالحب والحنان والتسامح والصبر، وفي الرجل رجاحة العقل وقوة التحمل والقوة والإحساس بالمسؤولية. ويحتاج الطفل إلى هذا التكامل لينمو عقله وتتطور مهاراته وينشأ نشأة سليمة، واعلم أيها المربي أن  عملية التربية وإعداد أبناء صالحين عمل يومي دؤوب يحتاج إنجازه إلى سنوات ويحتاج إلى تعاون بين الوالدين للوصول إلى هدف التربية.

 

 المصادر:

https://www.empoweringparents.com/article/when-parents-disagree-how-to-parent-as-a-team/



[1] من كتاب الحياة الأسرية ل بسام محمد أبو عليان.

[2] رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ) .

[3] https://dorar.net/h/J4fhEcBq

[4] رواه البخاري ( 1292 ) ومسلم ( 2658 ) .

 

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة