أسماء السيد خليل
ما بين يوم وليلة تبدَّلت أحوال ابن جارتنا القديمة، الطفل السوي العبقري الفائق، ابن الثماني سنوات، فمنذ أسابيع وهي تطوف به على الأطباء، لعلاج أعراض أمراض نفسية وجسدية غير محتملة، ظهرت عليه إثر موت صديقه في حادث سير، صدمته سيارة مسرعة أمام نادي العائلة، الطفل فَقَدَ الشغف بكل شيء، ولا يزال يعاني من اضطراب النوم والخوف والقلق البالغين، غير الآلام الجسدية المبرّحة.
وما لا يعلمه الكثيرون أن الأطفال كثيرًا ما ينظرون إلى الموت نظرة مشوّهة، وتنتابهم مشاعر كريهة تجاهه، لم يتهيؤوا للأسف لها، ولا يحسنون -من ثم- التعامل معها، ولا يجدون من يخرجهم من هذه الصدمة كي يمارسوا حياتهم بشكل صحي وسليم، وفي هذا المقال نعالج مفهوم الموت لدى الأطفال، وأهمية التحدث معهم في كل ما يتعلق به، وكيف نتعامل معهم عند فقد عزيز للعائلة.
كيف يستوعب الطفل فكرة الموت؟
فكرة الموت من المفاهيم الصعبة على الأطفال؛ نظرًا لمحدودية عقولهم التي ما زالت في طور التكوين، فهم لا يستوعبون مفهوم الموت فجأة، بل بالتدريج، وعلى مراحل، وحسب تجاربهم، في سنواته الأولى يشعر الطفل بغياب الميّت، يلاحظ أنه غير موجود، لكنه لا يدرك حقيقة الموت، نعم قد يحزن على الفقد، لكنه يتصور أن الغائب سيعود، سيستيقظ مثلًا من نومه، أو يرجع من سفره، لكنه يبدأ في طرح الأسئلة حول الموت، فيما بين الخامسة إلى السابعة يتكون لدى الطفل فهم أكثر واقعية لفكرة أن الموت نهائي، ولا رجعة فيه.
في مرحلة الطفولة المتأخرة (ما بين السادسة إلى التاسعة)، يتصور الطفل أن الموت معدٍ، ويزداد لديه الفضول حول: كيف يتم الموت؟ وكيف نبدو حين نموت؟ وكيف سنأكل ونشرب ونتنفس؟ وقد تنتابهم في هذه المرحلة مخاوف لا يستطيعون التعبير عنها؛ لصعوبة إدراكهم للغيبيات، أما في مرحلة البلوغ (من التاسعة إلى الثالثة عشرة)، فيستوعبون إلى حد كبير حدث الموت، فيحزنون على موتاهم، ويقلقون على أنفسهم، وهو ما يفسّر اهتمامهم بالإيمانيات، من ذكر وصلاة وقراءة قرآن، وفي مرحلة المراهقة (من الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة) يعادي المراهق الموت، ويراه زائرًا قاسيًا مكروهًا، رغم أسئلته الدينية حول كنهه وحقيقته، في محاولة منه للتطبيع معه مثل مَنْ حوله من الكبار.
كيف تحدِّث طفلك عن مفهوم الموت؟
الحديث مع الأطفال عن الموت أمر غاية في الأهمية؛ حيث يمنحه الفهم والعطف والأمان، والقدرة على مواجهة الحياة رغم ما فيها من ألم وفقْد، أما الصمت فيترك الطفل وحيدًا مع مخاوفه، كما أن احتواءه والاستماع إلى أسئلته يمنحه الثقة للتعبير عما بداخله، وليس المطلوب الإجابة عن كل أسئلته، بل استيعابه في رحلة عاطفية ممزوجة بالصبر والحنان والدعم المستمر، أما أفضل الأوقات لإجراء هذا الحوار، فهي: عند وفاة شخص قريب، أو عندما يبادر الطفل نفسه بطرح سؤال يتعلق بالموت، أو عند التعرض لقضية الموت عبر الإعلام أو الأدبيات المختلفة، ويجب أن يتسم الحوار بالصدق، والجدية، ومراعاة مشاعر الطفل، والإجابة عن الأسئلة ضمن الإطار الديني؛ فمثلًا:
- عرِّض طفلك لبعض مشاهد الموت في النباتات والحيوانات والطيور، فإن ذلك يقرّبه من مفهوم الموت، ويمنحه فرصة أكبر للتعلّم.
- عرِّفه الهدف من خلق الإنسان: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، وأن الحياة إن هي إلا اختبار له، تنتهي بالموت، وبعده تكون المكافأة.
- اشرح له معنى الموت، وحتميته على الجميع، كقدرٍ لا مفر منه، ولا شفاعة لأحد فيه: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ..) (النساء: 78).
- وأكدْ له أن الجزاء الحسن لمن يصبرون على فقد عزيزٍ لهم: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) (البقرة).
ماذا تفعل إذا مات قريب للطفل؟
يعدُّ فقدان عزيز للطفل تجربة مؤلمة له، وهو يختلف عن الكبار في أنه لا يملك القدرة على التعبير عن مشاعره، أو فهم كنه الموت بشكل كامل، من ثم يكون التأثر أعمق وأشد تعقيدًا، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا للعائلة، التي يجب أن تتسلح بالصبر، والدعم العاطفي الصادق، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن حزنه بحرِّية، من المتوقع أن تظهر عليه أعراض مرضية، نفسية وجسدية، وقد يواجه صعوبة في الدراسة، وهنا الأهل مطالبون بـ:
- التحدث معه عن لطف الله: وأن الميّت ذهب إلى رحمة الله، الذي سيعوضه خيرًا، يقول الأبُ هذا بصوت واثق مسموع؛ لأن الهمس يوحي بالخوف والتردد، ويوصيه بالدعاء الدائم للميت، وأن يخصه بقراءة القرآن والصدقات.
- طمأنة الطفل حول مستقبله: وأن له أقرباء آخرين كُثر سيعتنون به، وأن الأمور ستسير سيرها المعتاد، وستمضي هذه الأيام الحزينة وسيعقبها أيام جميلة.
- دمج الطفل في أنشطة جماعية: كالاحتفالات ومشاركة الذكريات، والأعمال الترويحية، والتنزه والسفر، والرياضات، والمسابقات المختلفة، وأقلها: الروتين اليومي، الذي يمنح الطفل شعورًا بالأمان والتكيف التدريجي مع الغياب.
أخطاء شائعة يقع فيها الأهل
يأتي حادث الموت، فيقع الأهل –بحسن نية- في أخطاء قد تربك الطفل، أو تزيد من خوفه وقلقه بدل أن تطمئنه، ومن أبرز تلك الأخطاء:
- الكذب أو إخفاء الحقيقة: أو استخدام عبارات غامضة أو مجازية حول المتوفَّى، مثل أنه «نام ولم يستيقظ»، أو «سافر إلى مكان بعيد»، فهذه الجمل رغم لطفها فإنها تكرّس لديه الخوف من النوم، أو تجعله في انتظار عودة المتوفَّى، التي لن تحدث.
- تجاهل مشاعره أو التقليل منها: كأن نأمره بعدم البكاء، أو نهوِّن أمامه من المصيبة ظناً أن ذلك يخفف من حزنه وخوفه، فهذا مما يوحي إليه بأن مشاعره غير مقدَّرة، ومعلوم أن الخوف والحزن ردود فعل طبيعية.
- ربط الموت بالعقاب والنهاية السيئة: كأن نشمت أمامهم بالموتى، ونعلن فرحنا برحيلهم، وأنّ نهاية صعبة تنتظرهم في الآخرة، فهذا يولّد لديه مخاوف من الموت، وأن أي ذنب أو خطأ بسيط يرتكبه سيورده تلك النهاية السيئة.
- نوبات الحزن المبالغ فيها من الأهل: فالبعض لا يكتفي بالتعبير عن حزنه وألمه بالشكل الطبيعي المعتاد، بل يقوم مثلًا بالصراخ ولطم الخدود وشق الجيوب.. إلخ -مما نهى الشرع عنه- وهذا خطر على الطفل، الذي يحاكي الأهل، فيتعلم هذه الأساليب التي تشوّش في داخله جلال وعظمة الموت.
إضافة تعليق