.

للتربية الإسلامية ثلاث وظائف رئيسة، أولها: التخلص من صفات سيئة موجودة في الفرد، وثانيها: تثبيت وتأصيل وتعميق صفات حسنة موجودة لديه والعمل على تنميتها وتوظيفها، وثالثها: إكساب الفرد صفات جديدة لا تتوافر لديه ويتطلبها منهج الإسلام والعمل له.

وكل هذه الوظائف الثلاث للتربية لا يُمكن أن تتم إلا عن طريقة المعايشة التربوية التي بها نُحدد ما لدى الفرد من صفات حسنة فنعمل على تثبيتها وتنميتها، وما لديه من صفات سيئة فنعمل على تخليصه منها، وما يحتاجه من صفات جديدة فنعمل على اكتسابه لها.

مفهوم المعايشة التربوية وأهميتها

وتعني المعايشة التربوية أن يُظهِر المربي استعداده لمعايشة المتربين، وأن يُشعِرَهم بتوفر الوقت لمعالجة قضاياهم وحل مشكلاتهم، وتتمثل- أيضًا- في تحديد أوقات الاستقبال والأوقات المتوفرة للخروج مع المتربين في أنشطتهم ورحلاتهم وزياراتهم، وتيسير سبل الاتصال به؛ كالاتصال الشخصي، والكتابي، والهاتفي.

وتتمثل أهمية هذه التربية في أنها مستمرة ومتواصلة، والمتربي يحتاج إلى توجيه وإرشاد في مختلف جوانب حياته؛ والاقتصار على اللقاءات التربوية فقط لن يُمكن المربي من إحداث تغيير حقيقي في الأفراد.

ومن أهميتها، إيجاد مساحة كبيرة من الفكر المشترك، واكتساب القدرة على حفظ الود بتجنب ما لا يرضي أو يسيء إلى الآخرين، وإزالة الرهبة أو الإحجام عن إبداء الرأي في أمر من الأمور الذي يؤدي أحيانا إلى السلبية.

ونراها في اتساع دائرة الشورى وزيادة مساحات اللقاء بين المربي وإخوانه، وتواجده في الأنشطة بينهم وسعيه في معرفة مشاكلهم فينصح ويوجه ويأخذ بأيديهم ويمشي في حوائجهم، كما أنها تؤدي إلى معرفة الميول والرغبات والملكات والقدرات واكتشافها، ومعرفة واقع الأفراد ثم العمل على تنميتهم، وتساعد المعايشة على تحقيق أركان الأسرة؛ التعارف والتفاهم والتكافل، وتعمل على إكساب المشرف مهارات وقدرات وخبرات، والتآخي والتراحم والتحاب وذلك سبب لدخول الجنة.

شرعية المعايشة التربوية وفضلها

المعايشة من واجبات المسؤول تجاه من هو مسؤول عنهم، فعنْ أَبِي الشَّمَّاخِ الأَزْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ الْمِسْكِينِ، وَالْمَظْلُومِ، أَوْ ذَوِي الْحَاجَةِ، أَغْلَقَ اللَّهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَحَاجَتَهُ، وَفَقْرُهُ أَفْقَرُ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا” (رواه أحمد والبيهقي وأورده الألباني في صحيح الترغيب).

وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يخالط الصحابة حتى يقول للغلام الصغير: “يا أبا عمير، ما فعل النغير؟” (البخاري ومسلم).

ومعايشة المربي لإخوانه هي السبيل للتعرف إلى أحوالهم عن قرب وما قد يمرون به من مواقف يحتاجون فيها إلى المساعدة ووقوف المربي بجانبهم هي من حقوقهم عليه، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “مَن نفَّسَ عن مسلِمٍ كُربةً من كُرَبِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كُربةً من كُرَبِ الآخرةِ، ومن سترَ على مسلمٍ سترَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ واللَّهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ”. (مسلم).

وتفقّد الرسول- صلى الله عليه وسلم- لعمار بن ياسر وأبيه وأمه ومواساتهم بقوله: “صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”، كما تفقد- صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي كان يُصلي وينصرف مسرعًا لأن لديه ثوبًا واحدًا في بيته يتناوب فيه هو وامرأته للصلاة، هذا بالإضافة إلى موقف الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع سيدنا جابر وسؤاله عن زواجه وأحواله.

أساليب ووسائل وطرق المعايشة

وتتنوع أساليب ووسائل وطرق المعايشة التربوية بين المربي والمتربّين، ومنها:

  • تقدير الشخص والاهتمام الحقيقي به مع بشاشة الوجه وحسن الاستماع وحسن الحديث.
  • زيارة المربي لبيت المتربي لمعرفة ظروفه والاستفادة من المناسبات والتهادي.
  • الاتصال ورسائل الهاتف.
  • مشاركته ومخالطته أثناء الأنشطة العامة “يوم رياضي – رحلة – سمر وتمشية… الخ”.
  • أن تحكي له أمورك الشخصية.
  • التعامل بالرفق واللين والجلد والصبر.
  • الأخذ بمبدأ التيسير لا التعسير.

مظاهر النجاح والمعوقات

وتتمثل مظاهر نجاح المعايشة التربوية في النقاط التالية:

  • المشاركة في الاهتمامات والمشكلات.
  • الروح العالية داخل الأسرة والفريق.
  • حل المشكلات مبكرًا قبل أن تتفاقم.
  • نقل الخبرات والتجارب.
  • طلب النصح وتحقيق معنى المعايشة بين أفراد الأسرة.

معوقات المعايشة:

  • عدم إدراك أهمية المعايشة ووسائلها وفضلها.
  • الانشغال بمهام كثيرة تعوق المعايشة.
  • الفتور والهبوط الإيماني يمنع التوفيق.
  • عدم تنظيم الوقت.
  • عدم إدراك أنماط الشخصية.
  • عدم إيلاء أمر المعايشة التفكير والتخطيط والاهتمام اللائق به. 

إن التربية بدون المعايشة تصبح عاجزة عن تحقيق أهدافها، وكما يقولون السلطان ثلاث (الحكم- العلم- الحب)، وللحب سلطان له تأثير ساحر تذوب به المشاكل وتنفذ الإرشادات والتكليفات.

المصادر والمراجع:

  1. سالم أحمد البطاطي: المعايشة التربوية.
  2. معاوية العايش: مزالق المربين في المعايشة التربوية.
  3. ملتقى الخطباء: المعايشة التربوية.
  4. الدكتور محمد سعيد الهجري: المهارات التربوية لمعلم القرآن الكريم (المعايشة).
  5. سعيد بن محمد آل ثابت: المعايشة التربوية.
ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة