سمية أحماري أم وكاتبة
بعد أن كانت الحلقة الأولى من الصدمة إلى الطمأنينة، وبعد أن نحتنا تصوّرًا إيجابيًا، وتعلّمنا كيف نبني قناعات ومعتقدات تؤهّلنا لأن تكون ردّة فعلنا وتصوّرنا تجاه الموضوع متقبِّلات لا رافضات، غالبات لا مغلوبات، مواجهات لا منسحبات؛
ننتقل الآن معًا إلى الفصل الثاني، والذي اخترت له هذا العنوان:
أمّي… أنتِ أهم عنصر في القصة.
وعندما نقول أهم عنصر، فهذا يعني أن الأنظار كلّها موجّهة إليه:
الأسباب، والنتائج، والبدايات، والاستمرارية.
متى ما كانت الأم ذات تصوّر سليم، ونفسية متوازنة، وعقلية واعية، وقادرة على احتواء الموقف والاستمرار فيه بأريحية؛
كانت النتائج – بإذن الله – أفضل وأكثر إيجابية.
كلامي هذا لا يحمل أي مثالية أو تصنّع.
نعم، نحن متّفقات جميعًا أن الطريق ليس سهلًا، لكن شتّان بين من استسلمت لتبعثرها، ومن جمعت شتات نفسها، ورمّمت فتات مشاعرها،
ونهضت لتتعلّم، وتبحث عن الأدوات، والإمكانيات، والأساليب التي تعينها في رحلتها المميّزة.
على العموم…
ابدئي بمحاولة تقبّل الواقع،
وتوقّفي عن الأحكام المسبقة، وعن الأسئلة المستنزِفة:
– هل سيتكلّم؟
– هل سيتزوّج؟
– هل يمكن أن يدرس؟
– ماذا عن رخصة القيادة؟
– ماذا سيحدث له إن متّ؟
كل هذه وساوس، ودليل ذلك أننا لا نعلم مستقبل أحد.
الغد مجهول لنا جميعًا، وليس لطفلي التوحّدي فقط.
ابحثي بنفسك:
كم من إنسان فقد ساقيه في حادث؟
وكم من شخص كان ذكيًا عاقلًا، ثم ساقته الأقدار إلى طريق لم يكن في الحسبان؟
لذلك يا عزيزتي، من فطنة المؤمنة أن تتعلّم كيف تأخذ من الظروف القدر الذي هي مسؤولة عنه، وأن تستمد رسالة الله لها من خلال الواقع والإمكانيات الحالية.
الله سبحانه لم يطالبنا بضمانات الصلاة في السنوات القادمة،
ولا الحج، ولا البر، ولا الإحسان،
بل نحن محاسَبون على اللحظة.
أما الباقي، فمدبّره حكيم، ولا يعلم أحدٌ منّا إلى أين تسير به الأقدار غدًا، ولا نظنّ بربنا إلا خيرًا.
إذًا..
لنجمع قوانا، ونحدّد أولوياتنا،
ونعرف جيدًا أين نصرف طاقتنا ومجهودنا.
بعد بناء هذا التصوّر الواضح اليسير، لن ننشغل بما لا طاقة لنا به،
ولن نُثقِل أرواحنا بهموم ليست من مسؤولياتها ولا من قدرتها.
قد تقولين:
لكنها لم تعطِني بعد الطريقة أو التفاصيل العملية مع ابنها!
صدقيني… هذه الخطوات هي أهم مرحلة.
وسألخّصها لك:
• أنتِ أهم شخص في القصة.
• حافظي على نفسيتك، واطلبي المساعدة عندما تحتاجين.
• لا تحمّلي نفسك فوق طاقتها، ولا تستسلمي للتفكير المفرط.
• تعلّمي خوض الرحلة خطوة بخطوة.
• لا تقارني نتائج ابنك بأحد؛ فلكل طفل نقاط قوة وضعف. قارنيه فقط بنفسه في الأمس.
• استمرّي… حتى عندما لا تظهر النتائج.
• لا تتركي نفسك ضحية لتأنيب الضمير أو جلد الذات.
• عندما تشعرين بالتعب، توقّفي واستريحي؛ فالرحلة طويلة،
وأهم ما فيها أن تبقي متوازنة، متفائلة، راضية، شاكرة لله عز وجل، حتى تنالي ولاية الرحمن.
وختامًا سيدتي..
ركّزتُ عليكِ في هذه النقاط لأنني مررتُ بهذه التجربة بنفسي، وما ذكرتُه لكِ هو بالضبط ما كان يعيقني في رحلتي، ولا أريدكِ أن تمرّي بما مررتُ به.
أنتِ قائدة الرحلة. كوني قوية، واضحة، وصادقة مع نفسك.
ابنكِ لا يحتاجكِ كاملة الحلول،
بل كاملة الحضور.
تواجدكِ معه، حضنكِ، احتواؤكِ، نظراتكِ، طاقتكِ، تفهمكِ، ومشاعركِ الجميلة…
كلها تشكّل بوصلة ابنك في الحياة.
فحافظي على جودة أمومتك مهما كانت الظروف.
لا تدخلي في صراعات مع نفسك،
ولا تسمحي لنظرة المجتمع أن تشتّتك أو تضعفك، فتتأثرين ويؤثّر ذلك على جودة دورك الراقي، الإنساني، والمميّز.
أمومتك ليست موضع تقييم،
هي رسالة…
وأنتِ تؤدّينها بما يكفي وأكثر..
انتظريني في الحلقة الثالثة، لنكمل الرحلة معا .فإننا نقوى ببعضنا البعض.
إضافة تعليق