طه ياسين

لا تنبع أهمية أسئلة الأطفال من طبيعة السؤال نفسه فحسب، بل من الطريقة التي نتعامل بها معه. فالسؤال قد يكون بابًا إلى المعرفة والثقة، وقد يتحول بسبب التجاهل أو التوبيخ إلى مصدر حيرة أو بحثٍ عن أجوبة في غير موضعها. وفي هذا المقال وقفات تربوية مختصرة حول بعض الأسئلة الشائعة التي يطرحها الأطفال، وكيفية التعامل معها بما يناسب أعمارهم ومستوى فهمهم

يُغفَرُ للأطفال ما لا يُغفر لغيرهم، فمهما أثاروا الضجيجَ ومهما عبثوا في الأمكنة التي يوجدون فيها، ومهما طرحوا من أسئلة محرِجة، فإن براءَتهم تشفعُ لهم وتَحولُ بينهم وبين سوء الظن بهم.

وإذا ما وقفْنا على محطّة الأسئلة التي يطرحُها الأطفال في مراحل حياتهم، وكيفية الإجابة عنها، وطريقة تعامل الوالدين معها، فإننا نجدُ أنفسَنا أمام سلوكيّات تربوية مستقبليّة، يعرفها المربّون، وتغيبُ عن أذهان كثيرٍ من الآباء والأمهات.

الأسئلة نمو صحّي وسَعة خيال:

إنَّ عادةَ طرحِ الأسئلة عند الطفل تتكوَّن تدريجيًّا من خلال احتكاكه بالناس في البيت، وفي المسجد، وفي المدرسة، وفي سائر الأماكن التي يرتادها؛ فهو يسمع كلامَ الكبار، ويلاحظ تصرّفاتهم، ويقارن بين ما يراه وما يسمعه، فتتولّد في ذهنه تساؤلاتٌ كثيرة تدفعه إلى السؤال والاستفسار، وهكذا تنمو لديه روحُ الفضول وحبُّ المعرفة. وطرح الطفل للأسئلة دليلُ نموّ صحّي، وسَعة خيال لديه، وبالتالي تبديدٌ للقلق الذي قد ينتابُ الوالدين تجاهه من احتمال تأخرِ الإدراك لديه، أو صعوبة فَهْمه لما يدور حولَه في الوسط المحيط به.

فعندما يطرح الطفلُ سؤالاً ذا حساسية في مجال الدين أو الجنس أو الاجتماع، فهذا يعني أنه تجاوز وحدات استيعابية عدة.

إذا سأل طفلٌ صغيرٌ والديه: “من أين يأتي المطر؟” فإن ذلك يدل على اتساع فضوله ورغبته في فهم ما يراه حوله من الظواهر، كما يكشف أنه بدأ يربط بين الأشياء ويتساءل عن أسبابها، وهي علامة طبيعية على نمو قدراته العقلية وتطور فهمه للعالم من حوله.

ومن الجميل أن نجيبه بما يناسب عمره، فنقول له: “الله يرسل المطر من السحاب لتشرب الأرض وتنمو الأشجار ونحصل على الماء والطعام”. وبذلك نُشبع فضوله العلمي، ونربط قلبه في الوقت نفسه بعظمة الله وقدرته ورحمته.

أخطاء فادحة يرتكبها المربّون:

إن طرحَ السؤال المحرِج على الوالدين أو أحدهما قد يحدو بهما إلى تأنيب الطفل والإنكار عليه، كأن يقال له: عيب.. حرام.. إن تسأل هذه الأسئلة فستدخل النار.

وقد يكون هناك أسلوبٌ آخر للتقريع، فمثلاً لو سأل طفل: هل توجد صورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فينبري أحدُ والديه رادًّا عليه: أيُعقل أن تجهلَ أن الكاميرات وأجهزة التصوير اختُرعت بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرون عدّة! أين عقلك؟ لقد ساءني ما سمعتُ منك! وهذا أسلوب من القمعِ الذي يَصدّ الطفلَ عن السؤال، وربما يجعله عُرضة للاستغلال، حيث يلجأ إلى أن يسأل غيره ممن لا يؤتمن، وبهذا تكون الخسارة باهظة.

كذلك يعدّ السكوت عن الإجابة أو تجاهل السؤال من الأخطاء الفادحة؛ لأن الابن يرى في والديه القدوة في كلّ شيء، وهو يفترض أنّهما الملاذ الذي يجد فيه أجوبةً شافيةً لكلّ ما يرد على ذهنه من أسئلة.

أيضًا من الأخطاء الفادحة: عدمُ مراعاة الفروق العُمْرية بين الأطفال؛ كأن يجيب الأبُ ابنه الذي تجاوز سنّ العاشرة بأجوبةٍ بسيطة تناسب طفل الرابعة، في حين يحتاج إلى قدرٍ أكبر من البيان والتوضيح. والإجابةُ غير المناسبة لعمر الطفل قد تترك لديه حيرةً وتساؤلاتٍ إضافية، وقد تضعف ثقته بقدرة من حوله على مساعدته في فهم ما يشغل ذهنه؛ مما يدفعه أحيانًا إلى البحث عن أجوبةٍ من مصادر أخرى قد لا تكون موثوقة أو مناسبة لمرحلته العمرية.

ومن الأخطاء الملاحظَة: إرجاءُ الجواب؛ بأن يقول الوالدُ لابنه الذي سأله: عندما تكبر أجيبُك، أو أنت ستعرف الإجابة من نفسك عندما تكبر، وهو بذلك يدفعه دفعًا لأن يسأل غيره.


وكلّ ذلك بالطبع سببُه جهلُ الأولياء وعدم درايتهم بطرق الردّ المناسبة، أو خجلهم، أو خوفهم غير المبرر على الأطفال.


تشجيعُ الطفل على طرح الأسئلة مهما كانت:

إذا عرفنا الأخطاء الفادحة التي يرتكبُها بعضُ الآباء في تأنيب الطفلِ على أسئلته، فإن الردّ الأمثل على أسئلته هو تحفيزه على الأسئلة، وإعطاؤه الوقت الكافي للسؤال دون استعجاله أو قطع كلامه.

ذلك لأن سماع السؤال كاملاً، ومعرفة دواعيه وظروفه بابٌ للجواب الصحيح، وعلى المستمع أن يعطيه من وقته وينصت له باحترام، ويتوجه إليه بكُلّيته، حتى يشعرَ الطفل أنه محل احترام، وأن سؤاله محل تقدير.

ثم يعقب على سؤاله بأي نوع من أنواع التحفيز، كأن يقول له: أحسنت، سؤال ذكي، أسئلتُك مهمّة وتدل على أنك متميّز.. وربما استعمل لغة الجسد، مثل الابتسامة، ورفع الإبهام علامة على الإعجاب، ونحو ذلك.

ومن المهم الإجابة بطريقة لا تفتح الباب لمزيد من الأسئلة أو الفضول غير المناسب.

عيّنة من الأسئلة التي يطرحها الأطفال:

من خلال الاطلاع على دراسات عدّة عرضتْ ظاهرة الأسئلة المحرجة[١]، ومن خلال التجارب والاحتكاك بالأطفال، خلصتُ إلى عدد غير قليل من الأسئلة التي تندرج تحت مُسمّى (الأسئلة المحرجة)، سأذكر عددًا منها، مع مراعاة أن الأسئلة تتفاوت حسب أعمار الأطفال.

عيّنة من أهم الأسئلة عمومًا:

١. من هو الله؟ أين هو؟

٢. كيف جئتُ إلى الدنيا؟

٣. أمي، هل تحبين أخي أكثرَ منّي؟

٤. هل في الجنة ألعاب؟ هل فيها (بيتزا وشوكولاتة) وحلوى؟

٥. أين يذهب الميت؟

٦. لماذا يختلف جسدي عن جسد أختي؟

٧. لماذا تترك أمي الصلاة بعض الأيام؟ أو لماذا رأيتها تأكل في نهار رمضان؟

طُرق مُثلى للإجابة عن هذه الأسئلة:

١. مَن هو الله؟ أين هو؟

لا نستطيع أن نجيبَ الطفل كما نجيب الكبار، لذا لا بد من إجابة واضحة تشبع نَهَم الطفل من جانب وتضع له ضوابط التفكير بمثل هذه الأمور من جانب آخر، ويمكن أن تكونَ بهذا الشكل: الله تعالى هو الذي خلقَنا وخلق كلَّ شيء، من إنسان ونباتٍ وحيوان، ومن سماء وأرض وبحار، وكلّ ما تراه. وهو الذي يحفظنا ويرزقنا، ونحن لا نرى الله إلا في الآخرة بعد الموت.

واللهُ ليس مثلَ أيِّ شيءٍ من مخلوقاته؛ لذا فنحن لا نتحدَّث عن الله إلا بما أخبرنا به عن نفسه في القرآن الكريم، أو بما أخبرنا به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فنقول: اللهُ هو الخالق، والرازق، والرحيم، والسميع، والبصير. ومما أخبرنا به أنه قال عن نفسه: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: ٢٥٥]، و[الشورى: ٤].

ولو سأل: أين الله؟ فنجيب بأنّه سبحانه فوق خلقه وفوق السماوات والأرض، وأنّه معنا يسمع كلامنا ويرى مكاننا ويعلم كل أحوالنا وأمورنا.

٢. كيف جئتُ إلى الدنيا؟

تختلف الإجابة عن هذا السؤال باختلاف عمر الطفل ومدى فهمه. فإذا كان الطفل صغيرًا فتكون الإجابة: خلقك الله سبحانه، ثم جعل لك مكانًا تنمو فيه داخل بطن أمك حتى كبرت وولدتْك أمك.

أما إذا كان أكبر سنًا فيقال له: خلق الله الإنسان بطريقة خاصة، فجعل الأب والأم سببًا في وجود الأطفال، ثم يبدأ الطفل بالتكوّن في بطن أمه وينمو شيئًا فشيئًا (ولا بأس هنا من شرح مراحل تكون الجنين بألفاظ سهلة مفهومة) حتى يولد بعد عدة أشهر.

أما إذا كان في مرحلة ما قبل البلوغ أو بداياتها فهنا لا يعود من المناسب الاكتفاء بهذه الإجابات العامة، بل ينبغي إعطاؤه شرحًا علميًا صحيحًا ومتدرجًا يناسب عمره؛ لأنّ كثيرًا من أقرانه سيكونون قد سمعوا معلومات من مصادرأخرى، صحيحة أو خاطئة.

٣. أمي، هل تحبين أخي أكثرَ منّي؟

يختلف هذا السؤال عن كثير من الأسئلة السابقة؛ لأنه سؤال عاطفي أكثر من كونه سؤالاً معرفيًا، فالطفل لا يبحث فيه عن معلومة بقدر ما يعبّر عن شعور أو حاجة نفسية. لذلك لا يُستحسن التسرع في الجواب، بل من الأفضل أن تسأله الأم أولاً: ما الذي جعلك تشعر بذلك؟ فقد يكون وراء السؤال موقفٌ معيّن أو تصرفٌ فهم منه الطفل وجود تفضيل بين الإخوة.

وبعد الاستماع إلى الطفل وفهم سبب شعوره، تطمئنه الأم وتؤكد له محبتها له وحرصها عليه، وتبيّن له أن اختلاف المعاملة في بعض المواقف لا يعني اختلاف المحبة، وأن لكل واحد من الأبناء مكانته الخاصة في قلب والديه.

٤. هل في الجنة ألعاب؟ هل فيها (بيتزا وشوكولاتة) وحلوى؟ وكل أنواع الأطعمة والفواكه والألعاب؟

يمكن أن تكون الإجابة: أعد الله للمؤمنين الطائعين في الجنة كل أنواع النعيم والراحة، ففيها البيوت والأشجار والأنهار، وأنواع الأطعمة والفواكه، وفيها ما تشتيهه النفوس وما لا يخطر على الذهن، ويمكن أن نذكر له عددًا من الآيات والأحاديث في ذلك، ومنها قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: ٧١]، وما ورد في الحديث: (أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ)[٢].

ونؤكد له أن من يدخل الجنة سينال من النعيم فوق ما يتخيل، وأنه لا يتمنى شيئًا إلا ويحققه الله له، وأن ما يخطر في أذهاننا الآن هو مما نعلمه ونشاهده، لكن ما عند الله أكبر وأعظم، ويمكن أن نذكر له مواقف من حياته كان يظن شيئًا هو أقصى ما يفكر فيه وإذا به يعلم أن هناك شيئًا أعظم.

وفي حال أعاد السؤال أو ألح فيمكن أن يقال له: ادعُ الله بما تريد لعل الله يحققه لك، مع الحث على بذل الجهد بكل ما يحب الله ويرضاه لدخول الجنة، فاللهُ يحبُّ الأطفالَ والناسَ الذين يطيعونه، ويكافئهم بأن يُدخلهم الجنّة، حيث النعيمُ الجميلُ الذي لا ينتهي.

٥. أين يذهب الميت؟

يمكن هنا أن تكون الإجابة قصيرة بما يناسب عقل الطفل وتصوره عن عالم البرزخ وإيمانه بالغيب، مثلاً: إن الميت يذهب إلى حياة جديدة في القبر، ينتظر فيها يوم القيامة، حيث يبعث الله الناس جميعًا، ثم يذهب الصالح إلى الجنة، ويذهب الشرير إلى النار، وإننا لن نلتقي بالميت إلا في الدار الآخرة.

٦. لماذا يختلف جسدي عن جسد أختي؟

يمكن الرد بأن الله تعالى خلق الذكور والإناث مختلفين في بعض الصفات والأعضاء، وجعل لكلٍّ منهما خصائص تناسب ما أعدّه الله له من وظائف ومهام في الحياة.

ومن ذلك أن الأنثى هيأها الله للحمل والولادة والرضاعة ورعاية الأطفال، وهيأ الرجل للقيام بأعباء النفقة والعمل وحماية الأسرة.

وإذا كان عمر الطفل أكبر أو احتاج إلى مزيد من البيان، فيُجاب بما يناسب سنّه ومستوى فهمه.

٧. لماذا تترك أمي الصلاة بعض الأيام؟ أو لماذا رأيتها تأكل في نهار رمضان؟

تختلف الإجابة بحسب عمر الطفل، فالطفل الصغير يمكن أن يقال له: هناك أيامٌ تمرّ بها النساء خاصة، تشعر فيها الأمُّ بشيءٍ من التعب والتغيّر في جسمها، واللهُ سبحانه رحيمٌ جدًّا بعباده، ولذلك خفّف عن المرأة في هذه الأيام، فأذن لها أن تترك الصيام والصلاة حتى تنتهي هذه الفترة، ثم تعود إلى عبادتها كالمعتاد، وتقضي ما فاتها من صيام رمضان. وهكذا نتعلَّم أن اللهَ رحيمٌ بنا، يحبُّ لنا اليسر، ولا يريد بنا العسر والمشقة.

وأما إن قارب البلوغ أو أحسسنا أن عنده بعض المعلومات فيمكن أن تفصل الإجابة أكثر حسب المناسب.

نصائح عامة حول التعامل مع أسئلة الأطفال:

١- مخاطر تجاهل أسئلة الطفل والإجابات غير الدقيقة:

إن الطفل الذي يجد في بيته جوابًا صادقًا متوازنًا، يأنس به ويطمئن إليه، يكون أقلّ عرضة للاضطراب الفكري حين يكبر، وأكثر قدرةً على التمييز بين الحقّ والباطل، لأنه نشأ على أساسٍ متين من الفهم والثقة. ومع تكرار المواقف، وعودة الأسئلة بصيغٍ مختلفة، تبدأ تلك الأجوبة الأولى بالترسّخ أكثر فأكثر، حتى تتحوّل إلى مرجعيةٍ داخلية يرجع إليها الطفل كلما التبس عليه أمر، أو واجهته فكرةٌ جديدة. ومن هنا فإن الجواب الواعي لا يملأ فراغ اللحظة فحسب، بل يسدّ فجواتٍ مستقبلية.

أما إذا قوبلت أسئلته بالإهمال أو التوبيخ أو الإجابات المرتبكة، فإن الفراغ الذي يتكوّن في داخله لا يظلّ ساكنًا، بل يبحث عمّن يملؤه، وقد لا يكون ذلك المصدر مأمونًا أو راشدًا.

كما أن الإجابات الصحيحة الصادقة المناسبة لعمر الطفل هي التي ينبغي أن تقدم للطفل، حتى وإن لم تكن تعطي كامل المعلومة أو تغطي كافة الجوانب؛ فالغاية ليست إغراق الطفل بالمعلومات، بل إعطاؤه ما يناسب مستوى فهمه. أمّا اللجوء إلى الكذب أو اختلاق تفسيرات غير صحيحة فقد يوقعه في تصورات خاطئة، ويضعف ثقته بمن يجيبه عندما يكتشف الحقيقة لاحقًا، وفي هذا السياق تقول الاستشارية الدكتورة عائشة الحكمي: “الجواب الصحيح عن سؤال الطفل عن ذات الله وصفاته، سيُؤَسِّس عقيدة التوحيد والإيمان بالله -عز وجل- في عقلِ الطفل وقلبه؛ ولذلك كان الخطأ في الإجابة عن هذه الأسئلة من أسباب انحراف عقيدة التوحيد لدى الناس”[٣]، وهذه الإشارة تكشف بوضوح أن المسألة ليست تربويةً عابرة، بل هي تأسيسٌ عميق يمتدّ أثره إلى بنية الإيمان ذاتها.

إن الطفل الذي يجد في بيته جوابًا صادقًا متوازنًا، يأنس به ويطمئن إليه، يكون أقلّ عرضة للاضطراب الفكري حين يكبر، وأكثر قدرةً على التمييز بين الحقّ والباطل، لأنه نشأ على أساسٍ متين من الفهم والثقة

٢- التفريق بين السؤال العابر والسؤال المتكرر الدال على قلق:

فالسؤال العابر يأتي غالبًا من فضول طبيعي لحدث معين، أو بعد سماع أو رؤية شيء، ويتميز بأن الطفل لا يتوقف عنده، بل يسأل ويكمل ما هو فيه من لعب أو غير ذلك.

أما السؤال المتكرر فهو سؤال مقصود، يعود له الطفل عدة مرات، وهو يدل على حاجة للجواب، أو حاجة للطمأنينة العاطفية، أو يكشف عن قلق داخلي أو خوف.

ويمكن للمربي أبًا كان أو أمًا أو معلمًا أن يفرق بينها من خلال علامات كثيرة؛ كلغة الجسد ونبرة الصوت، ونحو ذلك.

فالسؤال العابر قد يحتاج لجواب وقد لا يحتاج، حسب الموقف، وجوابه عادة قصير مختصر.

أما السؤال المتكرر فهو ما يحتاج لتوضيح وإزالة خوف وطمأنة.

٣- أهمية اكتشاف الدافع خلف السؤال لا الاكتفاء بصيغته:

فأسئلة الأطفال غالبًا ما تخفي وراءها أمورًا لا يصرح الطفل بها خوفًا أو خجلاً أو عدم إدراك، فلا بد أن يكون المربي منتبهًا لذلك، ويستفسر من الطفل بمثل قول: ما الذي جعلك تفكر في هذا السؤال؟ أو ماذا تعرف عن هذا الموضوع؟ وفي حالات قد يسأل بصراحة: هل تخاف من شيء معين؟ فقد تكشف المحادثة أمورًا أكثر أهمية من السؤال نفسه.

ولا ينبغي أن يؤدي البحث عما وراء الأسئلة إلى إهمال الإجابة عنها.

٤- متى يُكتفى بالإجابة المختصرة؟ ومتى يحتاج الطفل إلى حوار أطول؟

ينبغي على المربي تقدير متى يمكن أن تكون إجابته مختصرة ومتى يستطرد ويفصل.

فمن حالات الإجابة المختصرة: إذا كان الطفل صغيرًا جدًا، أو كان سؤالاً عابرًا، أو كان الزمان أو المكان غير مناسبين، فيكفي حينها الجواب المختصر.

أما إن كان السؤال متكررًا، أو العمر مناسبًا، أو كان السؤال ملحًا ويسبب قلقًا للطفل، أو أنه في محيط يتعرض لمصادر معلومات كثيرة أو غير موثوقة: فحينها لا بد من الإجابة الطويلة التي تشبع حاجة الطفل العلمية والنفسية.

٥ – كيف نوازن بين الصدق مع الطفل والحفاظ على براءته العمرية؟

التوازن هنا هو جوهر الإجابة، وهو قائم على أن الصدق لا يعني التفاصيل الكاملة التي لا تناسب الطفل، لكن دون كذب أو تحريف للحقيقة، كأمثلة الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالجنس والحب، ونحوها.

٦- التركيز على غرس القيم والمشاعر في نفس الطفل مع الإجابة:

فليس المقصود من إعطاء الإجابة هو المعلومة مجردة، وإنما تربية الطفل، وتهذيب نفسه، وإعطاؤها الأمان والثقة، وإشعارها بالاهتمام والمحبة، وغرس الإيمان بالله تعالى ومحبته ودينه في النفس.

ختامًا:

إن الأجوبة التي سيقدّمها الوالدان لطفلهما ليست كلماتٍ عابرة تُقال ثم تمضي، بل هي -في حقيقتها- السطور الأولى التي تُخطّ في سجلّ وعيه، وتُحفَر في ذاكرته طويلة المدى، حيث تستقرّ المعاني الأولى وتتشكل بها ملامح الفهم والتصوّر. فالطفل لا يسمع الجواب بوصفه معلومة فحسب، بل يتلقّاه بوصفه حقيقةً مُسلَّمة، يبني عليها لاحقًا رؤيته لنفسه، وللعالم من حوله، وللقيم التي تضبط حياته.

وعلى ضوء ذلك، فإن التعامل مع أسئلة الأطفال ينبغي أن ينتقل من دائرة الارتجال إلى دائرة الوعي؛ فالسؤال ليس إزعاجًا يُراد التخلص منه، بل فرصةٌ تربوية ثمينة، تستحقّ التوقّف والتأمّل. ومن هنا كان لزامًا على الوالدين أن يأخذا هذه الأسئلة على محمل الجدّ، وأن يمنحوها ما تستحق من تفكيرٍ ورويّة، بعيدًا عن التجاهل أو التضجّر؛ لأن كلّ سؤالٍ صادق هو بدايةُ بناء، وكلّ جوابٍ واعٍ هو حجرٌ في صرح إنسانٍ متوازنٍ في فكره ونفسه.

[١] منها: دراسة أ. مها محمد الزهراني، ود. ساما فؤاد خُميّس عن أسئلة أطفال الروضة المحرجة وطرق الاستجابة لها من وجهة نظر الوالدين والمعلمات. https://jjes.yu.edu.jo/index.php/jjes/article/view/٣٢١

[٢] أخرجه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٧٢٤).

ما الفرق بين خجل الطفل وضعف شخصيته ؟ كيف أوازن بين تربية ولدي على التسامح وعدم تضييع الحق؟! أفكار عملية لمختلف المراحل.. كيف نرسّخ عقيدة أبنائنا حول فلسطين والأقصى؟ انكفاء النُّخب والقيادات الدعوية معرفة أحوال المدعوين.. طريق المربي للدعوة على بصيرة